الجزائر

هجومات 20 أوت 1955 بسكيكدة: رسالة مباشرة مفادها لا بديل عن الاستقلال

سكيكدة – شكلت هجومات 20 أوت 1955 بولاية سكيكدة ”رسالة مباشرة للمستعمر الفرنسي مفادها أن الشعب الجزائري لا يريد بديلا آخرا عن الاستقلال من خلال الالتحاق الجماعي بصفوف جيش التحرير الوطني”، حسب ما أكده العديد من مجاهدي المنطقة في شهاداتهم.

وأكد في هذا الصدد المجاهد أحمد حفصي (86 سنة) في حديث لـ/وأج عشية إحياء الذكرى ال65 لهجومات الشمال القسنطيني بأن “التنظيم المحكم لتلك الهجومات باستهداف أماكن و مواقع حساسة للاحتلال جعل فرنسا تدرك بأنها أصبحت تواجه حربا فعلية بل و الأكثر من ذلك أن الشعب الجزائري قد اعتنق الثورة”.
وقال هذا المجاهد الذي ما تزال الأعمال الوحشية للمحتل الفرنسي عالقة في ذاكرته: “في الأيام التي أعقبت تلك العملية الواسعة لجيش التحرير الوطني كان رد فعل الجيش الفرنسي وحشيا وانتقاميا ضد الجزائريين كما قام بحجز بنادق الصيد التي كانت بحوزتهم”.
وأضاف حفصي بأن المجازر الجماعية التي اقترفها الجيش الفرنسي عبر عديد المواقع بالمنطقة لم يسلم منها لا الأطفال و لا الشيوخ.
وأكد ذات المجاهد في شهادته بأن “أهداف تلك الهجومات هي نقل الثورة إلى قلب المناطق المستعمرة بالشمال القسنطيني و استهداف قواعد الاحتلال و كسر الحصار الذي كان مفروضا على منطقة الأوراس و إبطال خرافة أن الجيش الفرنسي لا يقهر وأكاذيب الإعلام الفرنسي الذي كان يروج بأن الثورة مجرد أعمال معزولة من طرف من كان يسميهم بالخارجين عن القانون و قطاع الطرق”.
ورغم مرور أكثر من ستة عقود، ما يزال حفصي الذي كان يبلغ من العمر وقتها 21 عامًا فقط يتمتع بذاكرة سليمة ويتمنى أن ينقل إلى الأجيال الشابة تاريخ الكفاح والتضحيات التي قدمها أسلافهم من أجل استعادة الاستقلال والحق في العيش بكل حرية و فخر على أرضهم.
وقال في ذات السياق: “في 19 أوت 1955 نزل المجاهدون من الجبال إلى القرى لتجنيد الجزائريين و جمع الاسلحة و الذخيرة ثم تشكيل مجموعات كل واحدة لديها مهمة من بينها غلق الطرقات و نصب الكمائن “.
وذكر نفس المجاهد كذلك بأن “كل جنديين اثنين كانا يتلقيان الدعم و المساعدة من طرف 15 مدنيا و أن المجموعات التي تشكلت على هذا النحو كانت تحاصر مدينة سكيكدة من جميع النواحي بأحياء بوعباز و المحجرة الرومانية و باب الأوراس و السبع آبار بأحياء الزفزاف و القبية و باب قسنطينة”.
ويروي المتحدث الذي أوكلت له و للشهيد رشيد ساكر الذي كان عمره آنذاك 18 سنة و لمجموعتهما مهمة تفجير مبنى الاستعلامات العامة بشارع الواجهة البحرية بالقرب من القصر الأخضر أن “الشهيد زيغود يوسف ترأس بمنطقة الزمان الاجتماع التنسيقي لتلك الهجومات”.
ولدى الوصول إلى سكيكدة عند باب الأوراس حوالي منتصف النهار رفقة مجموعته سمع حفصي إطلاق نار بحي الزفزاف، حيث تم تنبيه قوات الاحتلال بالهجوم.
وأضاف حفصي الذي أكد بأنه وجد نفسه وحيدا رفقة ساكر يحمل القنبلة التقليدية الصنع “إن المدنيين الذين كانوا برفقتنا تعرضوا لإطلاق نار كثيف ففروا من كل الجهات”.
واسترسل حفصي أنه قتل شرطيا فرنسيا عندما وجه صوبهما سلاحه قبل أن يكون هو و رفيقه هدفًا لمدفع رشاش أجبرهما على الانفصال.
وقد توجه ساكر نحو الميناء في حين اتجه حفصي إلى القصر الأخضر حيث تشابك مع شرطيين لميليشيات  الاحتلال فقتل أحدهما و أصاب الآخر بجروح قبل أن يتوجه عبر طريق قصر مريم عزة إلى جبال سيدي أحمد.
وأكد هذا المجاهد أنه شاهد الطائرات الحربية التي كانت تقصف منطقتي فلفلة و العالية حيث كانت أعمدة الدخان تصعد إلى السماء كما أن إطلاق النار لم ينقطع بوسط مدينة سكيكدة وسط صراخ الجزائريين.
ويتذكر حفصي بأن 20 أوت 1955 كان يوم السبت حيث يتم خلاله استبدال حراس الثكنات و أيضا يوم السوق الأسبوعي يقصده الكثير من المعمرين بوسط مدينة سكيكدة كما تزامن مع وصول باخرة قادمة من فرنسا.
ولما أدرك خطورة الوضع قام جيش الاحتلال بمحاصرة مدينة سكيكدة و شرع في إطلاق النار بدون تمييز صوب كل الجزائريين الذين صادفهم في طريقه حسب ما ورد في ذات الشهادة.
 
        —هجوم جريء قوبل بردود فعل وحشية—
 
ولدى تطرقه لحصيلة الهجوم أكد حفصي أن “المجاهدين قد تمكنوا من تحطيم عدة طائرات  حربية  بالمطار بالإضافة إلى بعض منشآت الاحتلال و قتل الكثير من عساكر العدو”.
وأضاف هذا المجاهد بأن “رد الفعل الفرنسي كان شرسا بشكل لا يصدق” ، موضحا بأن “اعتقالات جماعية واسعة قد تعرض لها السكان المدنيون و أن آلاف الجزائريين شاهدوا منازلهم وهي تقصف بالطائرات والمدفعية”.
وتذكر أيضا أن “ميليشيات المعمرين قد تشكلت على الفور و نفذت سلسلة من المجازر ضد مدنيين عزل”، مؤكدا أن الأبشع من ذلك كان تجميع في اليوم الموالي من الهجوم آلاف الرجال والنساء والأطفال بملعب فيليب فيل (المسمى حاليا 20 أوت 1955″ و تم إعدامهم جماعيا”.
كما اقترفت أيام 21 و 22 و 23 أوت 1955 مجازر رهيبة عبر مختلف بلديات و أحياء سكيكدة، حسب ما ذكره حفصي الذي أكد أن الجارفة التي ما زال يحتفظ بها أمام ملعب سكيكدة قد استعملت لحفر مقابر جماعية لدفن المدنيين الذين تم إعدامهم وحتى بعض الجرحى دفنوا أحياء”.
 
      —ندوات تاريخية تنظم سنويا لكي لا ينسى أحد التضحيات—
 
في هذا الإطار و من أجل إطلاع الأجيال الصاعدة بتفاصيل المجازر التي اقترفها الاحتلال الفرنسي خلال تلك الأحداث التي استشهد فيها 5 آلاف شخص من أبناء المنطقة تنظم جمعية “أول نوفمبر 1954” سنويا ندوات تاريخية تتميز على الخصوص بتقديم شهادات من طرف مجاهدين، حسب ما أفاد به رئيسها محمد صياد.
كما تم اقتراح إقامة معالم تذكارية و لوحات رخامية ببعض المواقع التي كانت مسرحا لتلك الأحداث من بينها بئر ببلدية فلفلة ألقيت فيها أزيد من 20 جثة لمدنيين ، وفقا لما ذكره السيد صياد.
وتضم ولاية سكيكدة عدة  مواقع  كانت خلال هجومات 20 أوت 1955 مسرحا لتلك الأحداث و لا تزال تشهد على احتضان الشعب للثورة التحريرية و ارتباطه بها من بينها الملعب البلدي و مربع الشهداء بالزفزاف و فلفلة و مقبرة الشهداء بالسويقة حسب ما أكده فاعلون بالحركة الجمعوية.
 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق