أثر النقود الإلكترونية على السياسة المالية والنقدية

تطورت القطاعات المصرفية، تطورا كبيرا لتتناسب مع طبيعة النظام الاقتصادي العالمي (مرحلة العولمة)، ومع ثورة المعلومات، والاتصالات، والتطور المصرفي، ومن أهم هذه التطورات هو السماح لعملاء القطاع المصرفي، إجراء عمليات الشراء والبيع من خلال شبكة الإنترنت، باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني التي تتاح من هذه البنوك ما يعرف بالنقود الإلكترونية، التي تعد اليوم من أهم الأنظمة الحديثة للدفع و أكثر صور النقود حداثة وتطور، فهي لا تأخذ شكلاً مادياً إنما تتمثل في انتقال المعلومات بين أطراف التبادل، لذا تعد النقود الإلكترونية من أحدث الأساليب وأكثرها تطوراً وتماشياً مع التقدم التكنولوجي، إذ أن النقود لم تعد تقتصر على النقود التقليدية التي تكون على شكل دعامات ورقية وإنما أصبح بالإمكان في الوقت الحاضر استخدام المحررات أو المستندات الإلكترونية محل المستندات الورقية التقليدية، وهذا نتيجة للتطورات التكنولوجية التي أدت إلى ظهور الحاجة إلى هذا النوع من النقود الذي أصبح له مفهوم مغاير.

مفهوم النقود الإلكترونية

عرفت المفوضية الأوروبية عام  1998 النقود الإلكترونية بأنها ” قيمة نقدية مخزنة بطريقة إلكترونيه على وسيلة إلكترونية كبطاقة أو ذاكرة الحاسوب، ومقبولة كوسيلة للدفع بواسطة متعهدين غير المؤسسة التي أصدرتها، ويتم وضعها في متناول المستخدمين لاستعمالها كبديل عن العملات النقدية والورقية، وذلك بهدف إحداث تحويلات إلكترونية لمدفوعات ذات قيمة محددة”، كما عرف القرار الأوروبي رقم 2000/ 46 الصادر في 18 سبتمبر 2000 النقد الإلكتروني بأنه “قيم نقدية مخلوقة من المصدر مخزنة على وسيط إلكتروني وتمثل إيداعا ماليا، تكون مقبولة كوسيلة دفع من قبل الشركات المالية غير الشركة المصدرة”، فيما عرف مؤتمر بازل Basil سنة 1996 النقود الإلكترونية بأنها” قيمة نقدية في شكل وحدات ائتمانية مخزنة بشكل إلكتروني أو على أداة إلكترونية يحوزها المستهلك”، أما البنك المركزي الأوروبي فقد عرفها بأنها “مخزون إلكتروني لقيمة نقدية على وسيلة تقنية يستخدم بصورة شائعة للقيام بمدفوعات لمتعهدين غير من أصدرها، دون الحاجة إلى وجود حساب بنكي عند إجراء الصفقة وتستخدم كأداة محمولة مدفوعة مقدما “.

المخاطر التشريعية والقانونية للنقود الإلكترونية

تنطوي المعاملات المصرفية الإلكترونية على درجة عالية من المخاطر القانونية بالنسبة للبنوك حيث يمكّن للبنوك أن توسع نشاطها جغرافيا عن طريق المعاملات الإلكترونية وبدرجة أسرع مما كان عليه الحال في البنوك التقليدية، ومع ذلك في بعض الحالات قد يصعب على هذه البنوك أداء مهمتها بسبب عدم المعرفة الكاملة للقوانين واللوائح المحلية المطبقة في بلد ما، سواء كان ذلك بترخيص أو بدون، ويزداد ذلك الخطر عندما لا يكون الترخيص مطلوبا، ونتيجة لذلك فإن البنوك الافتراضية لا تستطيع توفير الحماية الكافية لعملائها بالإضافة إلى صعوبة جمع البيانات واللوائح الخاصة بكل الدول وعليه فستعرض نفسها لخسائر كبيرة عن طريق الدعاوي القانونية أو الجرائم التي لا تتم ملاحقتها بسبب عدم الاختصاص.

وفرت بيئة عمل النقود الإلكترونية ملاذا أمنا لعمليات غسيل الأموال وتهريبها، لما توفره من سرية في التعامل وسرعة في التنفيذ، إذ بمجرد فتح العميل لحسابه الاسمي يصبح من المستحيل على البنوك أن تعرف ما إذا كان صاحب الحساب يقوم بمعاملة أم لا، بل لا تعرف أين وإلى من يتم إجراء المعاملة، وللحد من هذا الخطر ومحاربة عمليات غسيل الأموال، أصدرت كثير من البلدان مبادئ توجيهية محددة بشأن تحديد العملاء وضبط نوع العملية وتشتمل عادة هذه المبادئ ما يلي:

  • التأكد من هوية طالب الحساب.
  • عنوانه قبل الفتح الحسابي ووجهات تحويله الممكنة.
  • رصيد المعاملات عن طريق الاتصال المباشر أو الافتراضي.
  • اليقظة الشديدة لربط العناصر الثلاثة والمتغيرات المستجدة.

 

تأثير النقود الإلكترونية على إدارة السياسة النقدية والمالية

تؤثر النقود الإلكترونية على السياسة النقدية، من خلال التأثير على أدواتها وأهدافها، فالتعامل بالنقود الإلكترونية قد يفتح الباب أمام جرائم متنوعة مثل التهرب الضريبي، وغسيل الأموال، وقرصنة الحسابات الإلكترونية، لذلك من الضروري وضع إطار موحد بين الدول المختلفة لتنظيم تداول النقود الإلكترونية ووضع ضوابط لإصدار هذه النقود، فمع انتشارها وزيادة استخدامها ستتأثر السياسة النقدية والمالية للدولة.

أولأ: أثر النقود الإلكترونية على السياسة النقدية.

  • تأثير النقود الإلكترونية على وظيفة الإصدار للبنك المركزي؛ سيتأثر الطلب على النقود الورقية التي يصدرها البنك المركزي، وبالتالي فإن عائداته ستنخفض من عمليات الإصدار.
  • تأثير النقود الإلكترونية على وظيفة البنك المركزي بصفته بنك للبنوك: يقع البنك المركزي في قمة هرم الجهاز المصرفي، إذ يشرف على الجهاز وينظمه، فهو يحفظ ودائع البنوك التجارية وهو المقرض الأخير لتلك البنوك وهناك العديد من الوظائف الأخرى التي يقوم بها التي ستتأثر في ظل انتشار النقود الإلكترونية ما سيؤدى إلى تراجع البنك المركزي عن القيام بدوره.
  • تأثير النقود الإلكترونية على وظيفة البنك المركزي بصفته بنك للحكومة: يقوم البنك المركزي بدور المستشار والوكيل المالي للحكومة، حيث ينوب عنها في كل المعاملات الداخلية والخارجية، فهو يقوم بالتسوية النهائية بين مؤسسات القطاع الخاص المتنافسة في إصدار النقود الإلكترونية.
  • تأثير النقود الإلكترونية على وظيفة البنك المركزي في مراقبة وتوجيه الائتمان: يقوم البنك المركزي بالتحكم في الائتمان وتوجيهه نحو قطاعات معينة، ومع ظهور النقود الإلكترونية فإن أي محاولة يقوم بها البنك المركزي ستكون بلا جدوى، بسبب اتجاه البنوك بشكل متزايد لإصدار هذه النقود فالمدفوعات الإلكترونية يصعب السيطرة عليها أو توجيهها، ونتيجة لذلك سيتراجع دور البنك المركزي في توجيه عمليات الائتمان داخل الدولة.

ثانياً: أثر النقود الإلكترونية على أدوات السياسة المالية.

  • سعر الخصم؛ وهو معدل الفائدة الذى يتقاضاه البنك المركزي مقابل إعادة خصم الأوراق المالية للبنوك التجارية، و يقوم الأفراد بشراء النقود الإلكترونية مقابل إيداع النقود الحقيقية في البنوك وبالتالي ستغير البنوك النقود مقابل ودائع مع البنك المركزي ما يؤدى إلى زيادة حجم الاحتياطي عن المرغوب فيه، لذلك سيكون أمام البنوك أحد خيارين، شراء أصول من المؤسسات غير البنكية وزيادة حجم القروض، أو شراء مزيد من الأصول من البنك المركزي، ليترتب على ذلك زيادة الطلب على الأصول في أسواق المال وانخفاض سعر الفائدة، لذلك ستفضل البنوك البديل الثاني، لأن البنك المركزي يثبت أسعار الفائدة على الأصول قصيرة الأجل، لذلك يمكننا القول بأن سعر إعادة الخصم لن يكون له تأثير كبير في السيطرة على حجم الائتمان بسبب ارتفاع السيولة النقدية لدى البنوك التجارية ما سيخفض من حاجتها إلى البنك المركزي ويق في النهاية الطلب على إعادة خصم الأوراق التجارية.
  • تأثير النقود الإلكترونية على السوق المفتوح: الاستخدام المتزايد من قبل الأفراد للنقود الإلكترونية سيترتب عليه الاستغناء عن الاحتفاظ بنقود سائلة (كاش) ما يدفع البنوك إلى رد قيمة النقود إلى البنك المركزي وزيادة حجم الاحتياطي البنكيمما يحد من قدرة البنك المركزي على بيع الأوراق المالية لامتصاص السيولة من السوق.
  • أثر النقود الإلكترونية على سياسة الاحتياطي القانوني كأداة لمراقبة الائتمان: يتضح لنا مما سبق أن حجم الاحتياطي يزيد بزيادة استخدام النقود الإلكترونية، وبالتلى تزيد سيولة البنوك التجارية، فيتقلص الطلب على الاحتياطي المحتفظ به لدى البنك المركزي، وبالتالي فإن استخدام النقود الإلكترونية سيحد من فاعلية سياسة الاحتياطي القانوني.

ومما سبق يمكننا القول إن، النقود الإلكترونية توفر العديد من المزايا للأفراد وتفتح مجالاً لاستثمارات جديدة وفرصاً متعددة، وعلى النقيض تماما فأنها تزيد من تفاقم المخاطر في البنوك التقليدية، ولتجاوز تلك المخاطر يجب تطوير اللوائح وقواعد التنظيم والإشراف على المعاملات الإلكترونية ليس فقط على المستوى المحلى وإنما على المستوى الدولي للتقليل من تلك المخاطر، وعلى مستوى البنوك المركزية فيجب على واضعي السياسات المالية والنقدية إعادة النظر في تلك الأدوات التي تتأثر بالمعاملات الإلكترونية لتخفيف من حدة المخاطر الناجمة عن تلك العمليات.

بقلم الدكتور: عثمان عبداللوش

خبير في المعلوماتية

البريد الرقمي: athman@sarl.tk

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: