ثقافة و فن

أحلام مستغانمي تصرح : “أسماء جميلة يتم تشويهها بأيدٍ جزائرية”

“لم أعد أشعر بالحزن عندما أتعرض للهجوم، ولا  عاد  الظلم يؤذيني، بل الإنصاف ما يُبكيني، أنا ضعيفة أمام الشهامة، وحده النبل يهزمني لأنه صفة نادرة في زمن المصالح”، بهذه الجملة حاولت الروائية أحلام مستغانمي أن تختزل مشاعرها، و هي تحاول تحية كل من يكتب لها ردا جميلا أو تعليقا بسيطا في “الفايس بوك”، معلنا رفضه الهجوم المجاني على شخصها، دون حجة و لا مبرر، كما صرحت لـ “دزاير ثورا”: “عندما يدافع عنك شخص لا تعرفه دون أية حسابات و يتطوّع ليرد عنك السهام فهذا تصرف نبيل يستحق الشكر”.

تتعرض الروائية أحلام مستغانمي، في الفترة الأخيرة إلى  هجوم يتجاوز النقد الأدبي، إلى محاولات يقودها أعداء النجاح، للنيل منها، وهي معارك تخوضها أحلام منذ أكثر من ثلاثة عقود، مذ ذاع صيتها كروائية جزائرية كبيرة، وتحوّلها إلى ظاهرة أدبية، و سيدة جميلة في كل تفاصيل حياتها، ما جعل الحاقدين دائمييّ التربص بها. تزورنا مستغانمي عبر الهاتف، كالريشة التي تريد أن تجمّل لوحة حزينة، تشبه الموناليزا التي يصعب أن يخرج اثنين بقراءة واحدة لها، فالأسود لم يعد يليق بالجزائر، تقول أحلام ” هذا الوطن يحتاج أبناءه الناجحين ليباهي بهم بين الأمم ، ولإعادة الثقة إلى جيل فقد حماسه في العمل من أجل الأفضل ، لكن يسحبنا الحقد إلى الوراء كل مساء، و نخسر كل يوم، وفق قوانين الغيرة و الكره الكثير من الأسماء الجميلة التي يتم تشويهها بأيدٍ جزائرية”.

تكتشف مع مستغانمي أنها ليست روائية جيدة فقط، بل إنسانة متواضعة، فصيحة اللسان و تمتلك لكنة جزائرية جميلة، زادها جمالا حلاوة السفر لسنوات، فتقاطعت الكلمات بين القسنطينية والمشرقية، و هي ترسم مشاعرها، و تشرح صدرها كأنها تعرفك منذ عشرين سنة، و تختار الاتصال بك لتشكرك على تعليق بسيط كتب على الفايس بوك، أنصفتها فيه، وهي التي تملك في صفحتها إثنتي عشرة مليون متابع، لكنها تتابع كل ما يقودها إليه قلبها لأنه كتب بصدق، و تدفعها مشاعرها لكي ترفع سماعة الهاتف وترفع القبعة لكاتبه.

كانت أحلام جد متأثرة، بالعبارات البسيطة التي تكتب، على الفايس بوك، خاصة تلك التي تحمل تعليقا “لا يدافع عن أحلام و لكن يطالب بالتحقق قبل إلصاق التهم بها “، و يشجب “الهجوم المجاني عليها بطريقة سخيفة”، قالت أحلام :” ليس الهجوم ما يؤلمني فاسمي أكبر اليوم من أن تهزه بعض الحملات المنظمة، لكن ما يحز في قلبي أن الهجوم يأتي في كل مرة من بلادي وأن الطعنة دائماً بخنجر جزائري، تصوّر حتى في صفحتي التي تضمّ 12 مليون منتسب، لا أحد إلا ويمدحني وعندما يتوجه إليّ أحد بكلام غير لائق غالبا ما يكون جزائريا، وهذا أمر جد غريب له علاقة بنزعة جديدة لدى بعض شبابنا اليوم للتجريح والتحطيم وتشويه ما هو جميل، لم ينجو حتى تاريخنا النضالي الذي أصبح اليوم رجالاته مجال تشكيك وتخوين “، هي تدري أن الكثير من الشباب الجزائري يحبها الدليل أنه خصص لها يوم حضورها في معرض الكتاب استقبالا شبيها بالمظاهرة لم يحض به أحدا في تاريخ المعرض ، إذ حضر الشباب من عدة ولايات بالمئات وطوّقوها بالمحبة لساعات ، لكن ما لم تعد تفهمه أحلام، هو ما يبدو و كأنه مؤامرة على الماضي والحاضر و المستقبل، ، فماذا يبقى لأمة تجعل من كل ناجح من أبنائها عدوها ، بينما لا يجرؤ أحد في دول أخرى على الإقتراب من رموزها . وأي مجد سيبقى لها إن شوّهت حتى رجالات ثورتها . كما قالت: “كلنا راحلون ، لن يبقى لكم إلا الذكريات، جيلي سيرحل يوما و هذه سنة الله لكن ما أتمناه أن تحافظوا على الأشياء الجميلة لأنها لن تعوّض “، واستمرت أحلام في المصارحة، بينما استسلمت إلى صوتها الدافئ و كلامها المتناغم بلا تلعثم، و لا ثرثرة، كانت ترص الأفكار رصا، كأنها مهندس معمري بارع يضع أسس مبنى جميل و شاهق، لكنها لا تشعر بالغرور و تعترف بالخطأ و صعوبة الطريق: “لا أقول أنني لم أرتكب أخطاء، و لا أنني كاملة و لكن ما أقوله، هو أننا حاولنا في ظروف صعبة أن نبدع في مجالنا لنجعل من كل جزائري فخور بأبناء بلده “.

تدرك أحلام أن الطريق ليس سهلا، لقد أدركت ذلك من البداية، و عرفت أن المهمة في الداخل كانت ستكون مستحيلة، لهذا تشكر القدر الذي قادها إلى بيروت :”النجاح ليس ضربة حظ ، الحظ يساعدك مرة وكل مكاسبك معرضة للخسارة إن لم تكن أهل لها لا يمكن أن تقنع ملايين القراء بحبك ولا بالبقاء أوفياء لك ثلاثة عقود . . ثمة أشياء لا تشترى ولا تحصل عليها إلا بجهدك “، و تفتح أبواب المنافسة و تلتقى خصومها بصدر رحب:”من يرفض أحلام عليه بإقناع قرائها برأيه ، نحن اليوم متساوون بفضل الأنترنيت والقارئ هو الحكم الوحيد “، و هي فيما يبدوا غير مكترثة بالنجومية ” أنا امراة قلّما تغادر بيتها ، وقلّما أقبل دعوة لمناسبة أدبية أو إعلامية النجومية ليست هاجسي . وحدها الجزائر أقبل دعوتها دون تردد “.

قد يجد أعداء مستغانمي، مليون حجة ليبرروا هجومهم و سيجدون عشرات الحجارة التي تسقط من المبنى الذي يرتفع باسمها، ليرمونها بها، و لكن كل ذلك لم يقف يوما حاجزا، أمام إصرارها على الحضور دائما كجزائرية، قالت أحلام: ” كان بإمكاني أن أقدم نفسي كروائية لبنانية خصوصا و أنني أملك جواز سفر لبناني و زوجي لبناني و لبنان وطن منحني الكثير ، وكان سيفاخر بي لأن لي شعبية كبيرة فيه، لكن أرفض إلا أن أكون حاضرة كجزائرية، و اشهر هويتي بدء بحضوري بالملابس التقليدية الجزائرية التي ارتديتها في جنيف يوم كنت رئيسة مهرجان الفيلم الشرقي ، و في لندن يوم كرمت كامرأة العام ، و في باريس يوم عيّنت سفيرة اليونيسكو للسلام .”

بحسب أحلام فإن هناك الكثير من العمل الذي يجب أن نقوم به في الجزائر، نحن بحاجة لثورة في البناء: “يجب أن نقتل اليأس في قلوبنا  و نحارب الأحقاد”، لهذا ذهبت أحلام يوما في قافلة لتوزيع الكتب إلى غرداية و المنيعة و طالبت بحملة لتنظيف و التشجير شعارها ” أول نوفمبر وطن أخضر ” و تواصل مسيرة الدفاع عن كل ما هو جزائري، مطالبة بتجسيد فكرة اليوم الوطني للزي الجزائري”.

بالنسبة لحكاية رفضها السفر إلى العراق، فهي تعود إلى أواخر الثمانيات ، حين تم دعوتها لخمس سنوات متتالية لحضور مهرجان المربد الشعري الشهير آنذاك، ولم تكن حينها قد كتبت”ذاكرة الجسد”، ولكنها رفضت السفر إلى بغداد، فقد كانت تشعر بالحزن لأن النظام العراقي هجّر العشرات من الأدباء و الشعراء العراقيين، قالت: “ما معنى أن أزور العراق ككاتبة في ذلك الوقت الذي كان فيه عدد كبير من الشعراء والكتاب العراقيين يعانون في المنفى والتهميش والاضطهاد و الظلم كيف لبلاد تهين كتابها أن أعني لها شيئا ككاتبة وأن تكرمني ؟ لم أقبل أن تطأ قدماي العراق و الإقامة في أفخم الفنادق بذريعة التضامن مع شعب تحت الحصار ولا الحضور بصفتي كاتبة لبلد يعيش كبار مبدعيه مثل الجواهري والبياتي وغيرهم في المنافي،قلت لهم سأزور العراق و أدخله معهم “، وهذا الموقف الخالد، الذي من المفروض أن يكون إضافة إلى مسارها، تحول إلى عصا يضرب بها أعداء أحلام ظهرها، كلما جاءت على الحديث عن العراق أو صدام، وعندما عبرت عن حزنها للطريقة التي اعدم بها صدام حسين صباح العيد، هاجمتها الأصوات الحاقدة المتنكرة للعروبة واتهموها بالترحم على طاغية تسبب في دمار العراق ، ولكنها أوضحت: “أشعر بالحزن للطريقة التي اعدم بها صدام كإنسان، ليعترفوا أنه كان كبيرا لحظة إعدامه . ولنعي أن من أعدموه أرادوا إهانتنا جميعا ، من يومها ودم العراق يتدفق على العالم العربي ويغرقه بلدا بلدا. إن حزني عليه هو حزن علينا و على ما إلنا إليه ، بإمكاننا اليوم أن نرى الأمور بوضوح أكثر وسط هذا الدمار . لقد بدأت المؤامرة من العراق ”

لم ينقطع حب ابنة محمد الشريف، للجزائر و مسقط رأسها قسنطينة، فروايات أحلام مرت فوق الجسور المعلقة، و تصريحاتها في كل المنابر موقعة بحكايات أحفاد ماسينسيا، و هي تعتبر نفسها “ولدت كبيرة”، بتاريخ عائلتها النضالي وعادات مدينتها العريقة، فجاءت قامتها من قامة الجزائر لذا هي صارمة في محاسبة نفسها. ولا تقدّم حسابا لأعدائها بل للتاريخ فوحده يعنيها.

بعد حوالي ساعة من الحديث عبر الهاتف مع أحلام، تشعر كم هو مؤلم أن تكون جزائريا ناجحا وأن تشق طريقك وسط أشواك الأعداء، و ما أكثر الأهداف التي يريد أعداء النجاح الوصول إليها، من تشويه الصورة و الإقصاء و محاولة محو كل أثار الجمال، عساهم يصيبون القلم الذي ينتظره ملايين القراء بالشلل و الجفاف، و ينجحوا في قطع شرايين الإبداع . لقد توقعت أن تعبر أحلام مستغانمي للحديث عن الألم الذي تشعر به، إلى أبعد الحدود، وأن يترك ذلك أثرا على إبداعها، لكنها قالت ” اطمئن إني أعمل على كتاب عن الفراق سيصدر قريبا وأعدّ كسفيرة اليونيسكو للسلام لمشروع ثقافي ضخم، وأراجع حاليا الترجمة الفرنسية والإنكليزية ل” الأسود يليق بك ” و تعمل دار نشري على إصدار أعمالي في كتب صوتية نظرا للطلب الكبير عليها في أوروبا ، وتسكنني رواية عن أبي أجمع أفكاري منذ فترة لكتابته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: