ثقافة و فن

الرجل الذي أبكى صدّام وأضحك بومدين وأغضب بوتفليقة وأُقيل بسببه الأمين العام للرئاسة

يقول عبد الحميد اسكندر•• ”كان لي شرف العمل مع كل الرؤساء، الذين حكموا الجمهورية الجزائرية المستقلّة، من أيّام الرئيس بن بلّة إلى أيام الرئيس بوتفليقة، وانتدبت للعمل في كتابة الرسائل في المناسبات ورسائل اعتماد سفراء الجزائر بالخارج”، وكانت البداية•• يضيف اسكندر، من فيلا جوري، التي أقام بها الرئيس أحمد بن بلة، وهي الفيلا التي بدأ عبد الحميد اسكندر، يكتب فيها الرسائل بطلب من بن بلة، قبل أن ينتقل بعدها إلى المعهد التربوي الوطني، بأمر رئاسي من أجل  الإشراف على الكتب المدرسية إخراجا وإعدادا، إلى أن جعلته الصدفة يدخل قصر الرئاسة بقرار رئاسي في زمن الرئيس الراحل هواري بومدين••

صدفة المدنيّ الذي خطف منصب العسكريين

يحكي لنا المجاهد عبد الحميد إسكندر، قصة طريفة وقعت له مع الرئيس الراحل هواري بومدين، حيث يقول اسكندر إن بومدين – كما كان معروفا عليه – كانت  لديه مشكلة قصر نظر، وكان يجد الكثير من الحرج في قراءة الخطب الرسمية أوبعض المراسيم، فاقترح عليه مدير التشريفات بالقصر الرئاسي آنذاك، أن يستعمل نظارة، لكن بومدين، اعترض على ذلك وقال ”أهون عليّ أن أستقيل من أن ألبس نظّارات”، ولأن شقيق عبد الحميد اسكندر كان مستشارا إعلاميا لدى الرئيس، اقترح على مدير التشريفات أن يتكفّل شقيقه بكتابة تلك الخطابات والمراسيم – تطوّعا – بخط واضح وكبير، وهذا ما حدث بالفعل، إلا أن اسكندر لم يلتق شخصيا بالرئيس بومدين، قبل المصادفة التي وصفها عمي عبد الحميد بالعجيبة، حيث يقول ”حين زار بومدين المعهد – وكان عبد الحميد اسكندر هو المشرف عليه في قسمه العربي – استقبله وكان يشرح له كيفية إعداد الكتاب، من بدايته كمخطوط وحتى يصبح مطبوعا، فأعطى للرئيس كتاب المحادثة والتعبير الموجّه إلى طور التعليم المتوسط وكانت حروفه واضحة فقال له بومدين ”آه •• هذه حروف مطبعية هايلة”، فأخبره عبد الحميد بأن هذه الحروف مكتوبة باليد وليست مطبعية، قبل أن يتدخّل مدير التشريفات ويكشف لبومدين أن الواقف أمامه هو من يكتب له الرسائل، فأمر بومدين إذّاك أن يدخل اسكندر إلى القصر الرئاسي وأن يعيّن بمرسوم مكلف بمهمة لدى الرئاسة، وهو منصب•• يقول المتحدث، أكبر من منصب مدير مكتب• وهو المنصب الذي كان حسب عبد الحميد دائما، مطلب العديد من الأسماء السياسية البارزة، ومنهم رئيس الحكومة الأسبق، مولود حمروش رفقة أربعة آخرين، كانوا كلهم عسكريين، وهو الأمر الذي رفضه حينها بومدين الذي قال لاسكندر ”أنت من يصلح لذلك المنصب والباقي أراهم عسكريين”•   وحول علاقته دائما بالرئيس الراحل هواري بومدين، يقول خطّاط الرؤساء، إنه في كل خرجة مع الرئيس بومدين، كان بومدين لا يحب أن يبقى ثابتا في مكان معين؛ بل كان كثير الحركة وكثير التنكيت أيضا مع جميع طاقمه في الوفد المرافق له•• ”كان ينكت مع أي شخص ويحمر وجهه خجلا، لم يفقد حسّ الدعابة حتى في أحلك الظروف•• مرّة، وأثناء رجوعنا من أديس بابا بعد زيارة رئاسية رسمية، صادفت صدور الحكم على••• الهادي سنوسي، ونظرا لمكانة بومدين في الساحة الدبلوماسية العالمية آنذاك، طلب الإخوة الليبيون منه، نصيحته في كيفية التعامل مع الوضع، خاصة وأن ليبيا كانت تحتوي على قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية فخافوا من ردة فعلهم، فذهب الوفد مباشرة إلى ليبيا وأقام الرئيس في بنغازي يومين، حافلين بالمباحثات والجلسات الدبلوماسية، عند عودتنا إلى الوطن أعطونا بعض الجرائد المكتوبة بخط اليد وكنت عاكفا على قراءتها في الطائرة، حين مرّ بي وشاهدني بومدين، قال لي•• ”أصدقني القول هل تقرأ المعنى أم ترى الخط” فقلت له الاثنين، وضحكنا معا••

بومدين    كانت  لديه مشكلة قصر نظر، وكان يجد الكثير من الحرج في قراءة الخطب الرسمية أوبعض المراسيم، فاقترح عليه مدير التشريفات بالقصر الرئاسي آنذاك، أن يستعمل نظارات، لكن بومدين، اعترض على ذلك وقال ”أهون عليّ أن أستقيل من أن ألبس نظّارات”

”خدّام” بشهادة بوتفليقة

أُقيل دون علم الرئيس  فأقال الرئيس الأمين العام بسببه 

يقول عمي عبد الحميد، وهو يراجع ذكرياته مع رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، الذي قال إنها ذكريات متميزة وفريدة عن باقي الذكريات، ”إن بوتفليقة كانت لي معه ذكريات كثيرة منذ أن كان وزيرا”، يتذكر حين كان يدور نقاش حول بعض المسائل النحوية واللغوية، مثل كتابة بعض الكلمات أوالجمل، القضايا الإعرابية، بين بعض الوزراء والكتاب أوالوفد المرافق للرئيس الراحل بومدين، حيث كانوا يتراهنون على صحة كلام كل شخص، فيقول لهم بوتفليقة• ما يقوله اسكندر هو الصحيح•• وكان دائما يثق في مقدرة اسكندر اللغويّة••  ويضيف عبد الحميد اسكندر أنه بعد 20 سنة من الغياب، وبعد عودته مجددا إلى قصر المرادية، بادر بوتفليقة، بالسؤال عن أخبار عبد الحميد اسكندر، ويقول اسكندر في هذا الصدد ”حين التقيت ببوتفليقة، في 1999، أنّبني لأنّي لم اسأل عنه ولم أتّصل به، طيلة الأعوام السابقة” ويضيف اسكندر، وهو يتذكر كيفية إحالته على التقاعد، أن بوتفليقة غضب غضبا شديدا عندما علم بـتسريح عبد الحميد اسكندر من الخدمة، حيث يقول اسكندر إن ”الأمانة العامة بالرئاسة، أعدّت ملفّ تقاعده أثناء تواجده في البقاع المقدّسة لأداء فريضة الحجّ، وعندما عاد إلى الديار تفاجأ بقرار تسريحه من الخدمة، وعندما علم بوتفليقة بخبر التسريح ثارت ثائرته، وطلب من اسكندر أن يكتب له رسالة تفصيلية بالحادثة، ففعل اسكندر ذلك، وشرح في الرسالة كيف تم تهميشه وتعويض إبداعاته اليدوية بخطوط جهاز الكمبيوتر•• بعد تلك الحادثة، يقول اسكندر، قام الرئيس بإقالة الأمين العام بالرئاسة••

   اسكندر والحلم المؤجّل•• 

يطمح الخطاط عبد الحميد إسكندر إلى تأسيس اتحاد وطني للخطاطين، لكن هذا الحلم بات بعيد المنال بالنسبة له، فمنذ أربع سنوات وإثر مشاركته في ملتقى الخط ببسكرة، طلب من كل المشاركين أن يعملوا على جمع شملهم في كل الولايات، من خلال إنشاء شبه جمعية لمحترفي الخط وهذا لكي تتيح لهم إنشاء اتحاد وطني، لكن هذا المشروع لم ير النور إلى يومنا هذا•

  خطّاط اللوحة المعجزة   

عبد الحميد اسكندر، لم يختص فقط بكتابة الرسائل للرؤساء الجزائريين المتعاقبين، بل هو صاحب اللوحات الرائعة والمتعددة لمقام الشهيد، فاللوحة التذكارية المصنوعة بالبرونز، في المقام هو من كتبها وهي الموجودة قبالة الشعلة المضيئة في المقام، وكذا كل ما كتب على قبة الترحم، من آية الكرسي إلى الفاتحة، يضيف عبد الحميد، الذي يسرد لنا حادثة غريبة وقعت له، أسماها بـ”المعجزة”•• الأمر يتعلق باللوحة التي كتبت فيها تحية إلى الشهداء من قصيدة للشاعر محمد العيد آل خليفة، وهي قصيدة يحي فيها الشهداء، خُطّت قبالة قبة الترحم على الرخام•• يقول اسكندر إنه عندما وضعوا الذهب الخالص على اللوحة الرخامية السوداء وأصبحت مذهبة وعلقت اللوحة، على القبّة، لاحظوا ظهور خطوط وردية اللون، تشكّلت شيئا فشيئا، لترسم خريطة الجزائر بحدود واضحة، مؤكدا أن الخريطة الموجودة إلى يومنا هذا على مقام الشهيد لم يتعمد أحد رسمها••

   صاحب خطاب 1974 الشهير 

من بين أهم الذكريات التي يحتفظ بها عمي عبد الحميد في ذاكرته، هو الخطاب الشهير الذي ألقاه هواري بومدين، في هيئة الأمم المتحدة سنة 1974، وهو الخطاب الذي خطّه عبد الحميد اسكندر حرفا حرفا، في ظرف ثلاثة أيام بلياليها دون انقطاع•• يتذكر عبد الحميد اسكندر ذلك ويقول إنه أجمل نص كتبه في حياته، خاصة أن ذلك الخطاب، أصبح معتمدا في الأمم المتحدة وأهدته أنيسة بومدين، زوجة الرئيس الراحل، إلى المتحف الوطني للجيش، لكي ”يسجل في التاريخ”، مضيفا أن الخطاب كانت له قيمة سياسية وحضارية ووطنية كبيرة عند بومدين•

الجزائري الذي أبكى صدام حسين

يروي لنا عمي عبد الحميد هذه القصة، بكثير الفخر حكايته مع الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين، فيقول إنه أنجز لوحة تذكارية في مهرجان الخط والزخرفة الإسلامية ببغداد سنة 1993 والذي يقام كل سنتين بمركز صدام حسين الثقافي وكتب في مقدمتها ”تحية من الشعب الجزائري إلى الشعب العراقي العظيم الذي يتحدى الحصار الظالم ويواجه العدوان الغاشم••” وكنت الوحيد من الجزائر الذي شارك في ذلك المعرض، وكان هذا أيام الحصار الأمريكي على العراق•  ولما كان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين يتجول بالمعرض لفتت انتباهه تلك اللوحة واستوقفه ما كتب عليها الخطاط الجزائري، وسأل عن كاتبها وحين علم بأنه من الجزائر، يضيف عمي عبد الحميد، ”بكى وقال لي إنها شهادة من الجزائر العظيمة  وقبّل رأسي وقلدني بميدالية ذهبية اعترافا بما قدمته من دعم معنوي للشعب العراقي”••

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: