ثقافة و فن

الروائي كمال داود يتَّهم العروبة باغتيال الثقافة الجزائرية!

الروائي كمال داود يتَّهم العروبة باغتيال الثقافة الجزائرية!

عندما فاز الروائي الجزائري، كمال داود، بجائزة الكونكور الفرنسية للرواية الأولى في عام 2014م، شعرنا بالسعادة والاعتزاز وكان منبعُ فرحنا يعود إلى سببين: أولهما له علاقة ببروز هذا الأديب الذي لم يكن معروفا بشكل كاف في الأوساط الأدبية الوطنية وفي العالم الفرانكفوني، وفي الحقيقة فإن وصول أي أديب جزائري إلى المسرح الأدبي الغربي أو العالمي هو مكسبٌ للهوية الثقافية الوطنية وللشعب الجزائري في آن واحد. وثانيهما مرتبط بدور الأدب الجزائري ذاته في إعادة كتابة تاريخ الكولونيالية الفرنسية نقديا وبمستوى فني متقدم.

بعد فوز الكاتب كمال داود بهذه الجائزة، تابعت مداخلاته وحواراته بشغف، وقدّرت فيه روح التمرد والجرأة النقدية رغم اختلافي مع كثير من الآراء التي أدلى بها؛ ففي الأسبوع الماضي مررت، وأنا في طريقي إلى بريطانيا، بمطار شارل ديغول، اغتنمت الفرصة وقمت بشراء عددٍ من المجلات الفكرية والأدبية الفرنسية كعادتي منها عدد فيفري الأخير من “المجلة الأدبية الفرنسية” Le Magazine Littéraire التي أواظب على متابعة نشاطها الثقافي والفكري والأدبي منذ مدة طويلة، لقد لفت نظري غلافُها الأمامي الملون الذي تتصدره صورة الكاتب الجزائري كمال داود صاحب الرواية القصيرة التي افتك بها الجائزة المذكورة آنفا.

عندما وصلت إلى بيتي ببريطانيا، سهرت مع هذه المجلة، وكانت مساهمة كمال داود فيها عبارة عن حوار شاركه فيه الروائي الفرنسي ماثياس إنارد. يحمل هذا الحوار عنوانا هو “الأدب ضد الشرّ”. في هذا الحوار، تطرقت مساهمة الروائي كمال داود إلى عدة قضايا وخاصة الأصولية الإسلامية والعروبة والاستشراق.

منذ البداية، وجدته يعلن أن لديه حساسية تجاه الاستشراق جرّاء أسباب تاريخية، وهذا لا غبار عليه في شق منه لأن جزءا من الاستشراق الغربي مرتبطٌ بالاستعمار ويحتاج فعلا إلى النقد الدائم لأنه لا يزال يُشوِّه تاريخ وثقافات وهويات شعوب العالم الثالث وخاصة شعوب العالم الشرقي والإفريقي. ولكن الروائي كمال داود لا يميز بين هذا النمط من الاستشراق وبين ما قدّمه الاستشراق النقيض له من خدمات إنسانية ومعرفية، وتوثيقية، وصيانة، وحفظ من الاندثار للثقافة العربية الإسلامية وللثقافات الشرقية بشكل عام. لاشك أن إدوارد سعيد المذكور بسرعة في هذا الحوار قد فكّكَ الخطاب الاستشراقي الكولونيالي، ولكنه لم يُلغِ مساهمات الجزء الآخر من الاستشراق المعرفي الخالي من آفة الاستعمار ومن التمثيلات التعسفية لثقافات وتاريخ وسكان الشرق. مباشرة يعلن كمال داود في هذا الحوار عن حقيقته عندما يصرّح قائلا: “أشجّب الاستعمار الأفقي بواسطة العروبة، وأشجب اغتيال الثقافة العروبية المسيطرة لثقافة بلادي.”؟ !

هنا تساءلتُ مع نفسي: ما هذه الثقافة الجزائرية التي اغتالتها العروبة؟ وهل هي الثقافة الفرنسية؟ أم الثقافة الأمازيغية؟ أم الثقافة الشعبية العربية نفسها؟ ومن هو هذا الآخر الذي يدافع عنه الروائي كمال داود؟ ظاهريا، يبدو أن كمال داود يرافع ضد نزعة سيطرة ثقافة معيّنة على ثقافة أخرى، ولكنه في العمق يرفض الثقافة العربية في الجزائر، وينتصر ضمنيا لما يُصطلح عليه بـ”ثقافة الجزائر” التي لم يبيّن لنا تحديدا وتعريفا لماهيتها والفرق النوعي بينها وبين الثقافة العربية التي يتحايل بواسطة مصطلح العروبة لإخفاء مقاصده.

صحيح أن في الجزائر ثقافة أمازيغية موغلة في التاريخ، وهي جزءٌ عضوي من الشخصية القاعدية للهوية الوطنية الجزائرية، وهي بدورها قد عانت الكثير من الويلات عبر التاريخ، وتعرّضت للإنكار والقمع من قبل الاحتلال الفرنسي، ومن أهلها على حد سواء في مرحلة ما بعد الاستقلال، ولكن توجد إلى جانب الثقافة الأمازيغية، ثقافة عربية تجاورها وتتعايش وتقيم في كثير من الأحيان بعلاقة التناصّ معها والتفاعل والتأثير التاريخيين وبينهما، وعناصر تميّز تتمتع بها كل واحدة منهما بدون شك.

إن هذه الظاهرة لا يمكن نكرانها أو تجاهُلها، ومن هنا فإن شجب كمال داود للعروبية الثقافية واعتباره لها “استعمارا” يتضمن التصنيف الضمني التعسفي، بل والواضح لقسم من الجزائريين الذين يحملون هذه الثقافة واللغة العربية كمستعمَرين. إن هذه الأحكام غير صحيحة، وهي تقسيم للشعب الجزائري إلى مستعمِرين ومستعمَرين نحن في غنى عنه، وليس لصالح للوحدة الوطنية التي ينبغي أن تقوم على أسس واحترام التنوع الثقافي الوطني التي هي علامة صحية وثراء وقوة ناعمة بدون أدنى شكّ. إن الذي فات الروائي كمال داود هو أن المجتمعات البشرية في العالم قاطبة ليست أحادية عرقيا أو اثنيا ثقافيا أو لغويا.

إذا طبّقنا معيار الأخ كمال داود فإن الانجليز، مثلا، الذين جاؤوا في العصور القديمة من منطقتين بألمانيا وهي منطقة أنجل ومنطقة سكسوني إلى الجزيرة التي ندعوها الآن ببريطانيا، هم أيضا محتلون ومستعمِرون لبريطانيا وللسلتيين الذين هم السكان الأصليون في هذه الجزيرة.

إن استخدام مثل هذا المعيار، سيُفضي فعلا إلى إعادة رسم خرائط العالم البشرية والثقافية والدينية وهلم جرا، وسيُدخل الإنسانية في حروب جديدة تحت شعار: يجب على كل واحد أن يعود من حيث جاء، ويجب أيضا إجراء عملية جراحية لاجتثاث كل الروابط والتفاعلات التي نشأت بين الثقافات واللغات والحضارات وغيرها.

إذا طبقنا معيار كمال داود، فإن فرنسا نفسها سوف تتعرض للخلخلة لأن شعب “الفرانك” الذي اشتقّ منه اسم فرنسا والفرنسيين أصلهم من ألمانيا في حين أن السكان الأصليين هم مجموعاتٌ بشرية مختلفة تماما منهم الشعب “الأوكستاني” الذي يملك جغرافيته التاريخية المعروفة التي هي فرنسا الحالية برمتها، ويملك لغته التي هُمّشت ولا تزال تُهمَّش رغم ادّعاء حكام فرنسا بالديمقراطية. ثم نتساءل: ألا توجد في الجزائر بقايا الثقافة الفرنسية، واللغة الفرنسية المسيطِرة على كافة أجهزة الدولة؟ ألا يوجد في الجزائر أدبٌ فرانكفوني هو سمة ثقافية بامتياز تعبّر بها شريحة من الجزائريين عن نفسها وهي شريحة لا يستهان بها من حيث عدد أفرادها ونفوذها وسيطرتها؟ لماذا لم يشجّبها ويعتبرها كمال داود، في حواره مع المجلة الفرنسية، استعمارا للثقافة الجزائرية التي يدافع عنها؟ ولماذا لا يدعو إلى نزع استعمارها؟ أم أن الثقافة واللغة الفرنسيتين تجمعهما بالثقافة الجزائرية -التي يرافع عنها بدون أن يحددها لنا- صلات الرحم والرضاعة؟ إذا كان الأمر هكذا، فإننا سنحتاج فعلا إلى علماء جينات الثقافات ليفكوا لنا أسرار هذا اللغز المحيِّر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: