المنوعات

حب الوطن وحب البطن …

  إِنَّ تَقْوَى اللهِ أَمْرٌ وَصَّاكُمْ بِهِ اللهُ فِي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزيزُ، فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكَم فِي كُلِّ شُؤونِكُم، ورَاقِبُوهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُم، واعلَمُوا  -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ مِنْ مَجَالاَتِ التَّقْوَى ومَيَادِينِها أَدَاءَ حُقُوقِ الوَطَنِ، وخِدْمَةَ أَرْضِ النَّشْأَةِ والسَّكَنِ، فَلِلْوَطَنِ فِي الإِسْلاَمِ شَأْنٌ عَظِيمٌ، والتَّفْرِيطُ فِي حَقِّهِ خَطَرٌ جَسِيمٌ، إِذِ الإِسْلاَمُ دِينُ الفِطْرَةِ، والنَّفُوسُ فُطِرَتْ عَلَى حُبِّ مَا تَرَعْرَعَتْ فِيهِ مِنَ البِلاَدِ، وهَذَا هُوَ الوَطَنُ الخَاصُّ بِكُلِّ فَردٍ أَو جَمَاعَةٍ، تَرَاهُم يَبْذُلُونَ لِرُقِيِّهِ كُلَّ جُهْدٍ واستِطَاعَةٍ، إِلَيْهِ تَشْرَئِبُّ نُفُوسُهُم، وفِيهِ تَأْنَسُ قُلُوبُهُم، وبِهِ تَتَعَلَّقُ مَشَاعِرُهُم، وهَذَا لَيْسَ بِدْعاً فِي الدِّينِ، فَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِمَكَّةَ: ((مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إِليَّ، وَلَولاَ أَنَّ قَومِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ))، وَيَتَجلَّى هَذَا الحُبُّ مِنْهُ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ جَلَسَ إِلى وَرَقةَ بنِ نَوفل ابنِ عَمِّ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- وَلَمْ يَلْتَفِت -صلى الله عليه وسلم- كَثِيراً إِلى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِمَّا سَيَتَعرَّضُ لَهُ فِي دَعْوَتِهِ مِنْ مِحَنٍ وَمصَاعِبَ مِنْ قَوْمِهِ، حَتَّى قَالَ لَهُ وَرَقَةُ: ((وَلَيتَنِي أَكُونُ مَعَكَ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ)) عِنْدَها قَالَ -صلى الله عليه وسلم- : ((أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!))، لِمَا لِلوَطَنِ مِنْ مَكَانَةٍ فِي نَفْسِهِ، وحِينَ انْتَقَلَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ- مُهَاجِراً مُضْطَرّاً إِلى المَدِينَةِ، سَأَلَ اللهَ أَنْ يُحبِّبَ إِلَيْهِ وَطَنَهُ الثَّانِي وَيُنْزِلَ عَليَهِ فِيهِ الرَّاحَةَ والسَّكِينَةَ، والأَمْنَ والطُّمَأنِينَةَ، فَعَنْ أُمِّ المُؤمِنينَ عَائشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : ((اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا المَدِينَةَ، كَحُبِّنَا مَكَّةَ، أَو أَشَدَّ))، وبَعْدَ أَنِ استَوْطَنَتْ نَفْسُهُ الطَّاهِرَةُ -صلى الله عليه وسلم- المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ أَظْهَرَ لَها مِنَ الحُبِّ والوَفَاءِ وَالحَنِينِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ مِنْ مُوَاطِنٍ لِوَطَنِهِ، ومِنْ خِلاَلِ نُصُوصِ القُرآنِ الكَرِيمِ، نَجِدُ أَنَّ حُبَّ الوَطَنِ غَرِيزَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ لاَ تُعَادِلُها إِلاَّ غَرِيزَةُ حُبِّ الحَيَاةِ، وكَأَنَّ الوَطَنَ يُسَاوِي الحَيَاةَ بِالنِّسْبَةِ للإِنْسَانِ، فَقَدْ قَرَنَ تَعَالَى النَّهْيَ عَنِ الإِخْرَاجِ مِنَ الوَطَنِ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ حِينَ أَخَذَ العَهْدَ عَلَى بَعْضِ الأُمَمِ مِنْ قَبلِنَا، قَالَ تَعَالَى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ)) (سورة البقرة اية 84) ، إِنَّ حُبَّ الوَطَنِ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، بِهَا تَستَقِرُّ نُفُوسُ السَّاكِنِينَ، وتَطْمَئنُّ قُلُوبُ القَاطِنينَ، وتَتَحَرَّكُ لِلعِمَارَةِ هِمَّةُ المُوَاطِنينَ، فَحِينَ تَرَكَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- زَوْجَهُ هَاجَرَ وابنَهُ إِسْمَاعِيلَ -عَليهِ السَّلاَمُ- فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ وَادٍ قَاحِلٍ غَيْرَ ذِي زَرْعٍ، دَعَا رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتعَالَى أَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ أَسْبَابَ الاستِقْرارِ، ووَسَائِلَ عِمَارَةِ الدِّيَارِ، قَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمِ-: ((رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ))(سورة ابراهيم آية 37).
   
    إِنَّ بُنَاةَ الوَطَنِ، العَامِلينَ لأَجْلِهِ، المُخْلِصِينَ المُوَفِّينَ لِحَقِّهِ، يَخلُدُ فِي النَّاسِ ذِكْرُهُم، ويَبقَى إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ أَجْرُهُمْ، فَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : ((سَبْعٌ يَجْرِي لِلعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْماً، أَوْ أَجْرَى نَهَراً، أَو حَفَرَ بِئْراً، أَوْ غَرَسَ نَخْلاً، أَوْ بَنَى مَسْجِداً، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفاً، أَوْ تَرَكَ وَلَداً يَستَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوتِهِ))، إِنَّ المُتَأمِّلَ فِي هَذَا الحَدِيثِ يَجِدُ شَأْناً عَظِيماً، ومَنْزِلاً عَالِياً كَرِيماً، لِمَنْ يُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ وَطَنِهِ، سَواءً كَانَ إِسْهَامُهُ فِي البِنَاءِ الحِسِّيِّ بِإنْشَاءِ المَرَافِقِ الخِدْمِيِّةِ، والأَوقَافِ النَّفْعِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الصَّدَقَاتِ الجَارِيَةِ، أَو كَانَ البِنَاءُ مَعنَويّاً بِتَنْشِئَةِ الأَجْيَالِ الصَّالِحَةِ، وتَرْبِيَتِها عَلَى الأَخْلاَقِ الفَاضِلَةِ، لأَنَّ الوَلَدَ الصَّالِحَ ذِكْرٌ حَسَنٌ لأَبِيهِ، ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يُضَاعِفِ اللهُ ثَوَابَهُ وَأَجْرَهُ، ويَبقَى بَيْنَ النَّاسِ نَفْعَهُ وَأَثَرَهُ، إِنَّ المُسَاهَمَةَ فِي مَشَارِيعِ البِنَاءِ، والإِعَانَةِ عَلَى تَوفِيرِ العَيشِ الطَّيِّبِ والرَّخَاءِ، لاَ يَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الحُكُومَاتِ وَحْدها، بَلْ لِكَافَّةِ شَرَائِحِ المُوَاطِنينَ إِسْهَامَاتُها فِي ذَلِكَ ودَوْرُها، لاَ سِيَّما أَصْحَابَ رَؤوسِ الأَمْوالِ وَالشَّرِكَاتِ، وَأَرْبَابَ التِّجَارَةِ والمُؤسَّسَاتِ، ولاَ يَقْتَصِرُ دَوْرُهم فِي ذَلِكَ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ الوَاجِبَةِ، بَلْ ((فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ))، نَعَمْ فِيهِ حَقٌّ عَلَى أَهْلِ الخَيْرِ والوَفَاءِ، والمُتَّصِفينَ بِالإِحْسَانِ والعَطَاءِ.
 
    إِنَّ لِحُبِّ الوَطَنِ والوَفَاءِ له صُوَرَاً مُتَعَدِّدةً، وأَشْكَالاً مُتَنَوِّعَةً، وأَشْرَقُ هَذِهِ الصُّورِ وأَجْلاَها، وَأَهَمُّ تِلْكَ المَجَالاتِ وأَعْلاَها، المُسَاهَمَةُ فِي النُّهُوضِ بِالمُؤَسَّسَاتِ العِلْمِيَّةِ، ومَرَافِقِها الخدمِيَّةِ، وَلَئِنْ كَانَ لأَصْحَابِ الأَمْوَالِ بَاعٌ فِي إِنْشَاءِ بُنْيَتِها التَّحتِيَّةِ، فَإِنَّ لِذَوِي العِلْمِ والكَفَاءَاتِ، وأَصْحَابِ المَعَارِفِ والدِّرَاسَاتِ، وحُذَّاقِ المِهَنِ والخبْرَاتِ، مُهِمَّةَ بَذْلِ العِلْمِ والإِرشَادِ، والإِيضَاحِ والتَّبْيينِ لِمَا فِيهِ مَصلَحَةُ العِبَادِ، فَإِنَّ وَفْرَةَ المَالِ يَجِبُ أَنْ تُصَاحِبَها نَهْضَةٌ عِلْمِيَّةٌ تُنِيرُ طَرِيقَ الوَطَنِ وتُشْرِقُ بِها رُبُوعُهُ، ويَعْرِفُ الحقَّ بِها أَفْرَادُهُ وجُمُوعُهُ، قَالَ تَعَالَى: ((وَإِذ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ))(سورة آل عمران آية 187)، إِنَّ عَلَى أَهلِ العِلْمِ مَسْؤولِيَّةً عَظِيمَةً فِي بِنَاءِ الأَوْطَانِ، وتَوفِيرِ النُّصْحِ والرَّخَاءِ لِبَنِي الإِنْسَانِ، وهَذِهِ مُهِمَّةُ الأَنْبِياءِ، ورِسَالَةُ الأَصفِياءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-، وهِيَ اليَوْمُ مُهِمَّةُ العُظَمَاءِ الذِينَ استَحَقُّوا التَّقْدِيرَ والاحتِرَامَ.
   
   
    وَمِنْ صُوَرِ الإِخْلاَصِ لِلوَطَنِ، تَنْمِيَةُ مَجَالاَتِ التَّكَافُلِ الاجتِمَاعِيِّ، وتَسْهِيلُ سُبُلِ العَمَلِ الإِنْسَانِيِّ، والتَّقْصِيرُ فِي ذَلِكَ دَلِيلُ الأَنَانِيَّةِ، وَعَدَمِ الشُّعُورِ بِالوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ والقُرْبَى الإِنْسَانِيَّةِ، وَلَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْوَاعِ النَّذِيرِ، وَنَبَّهَنا إِلَى مَا يَجَرُّهُ مِنَ البَلاءِ الخَطِيرِ، ومِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الكِتَابِ العَزِيزِ عَنْ جَنَّةٍ كَانَ يَملِكُها رَجُلٌ صَالِحٌ يُحِبُّ وَطَنَهُ ومُوَاطِنِيهِ، ويُعْطِي مِنْ خَيْرِهَا أَقَارِبَهُ وَسَائِلِيهِ، ويُظْهِرُ التَّكَافُلَ الاجتِمَاعِيَّ فِي أَصْدَقِ مَعَانِيهِ، ويُؤسِّسُ بِإِخْلاَصٍ دَعَائِمَهُ ومَبَانِيه، وَلَمَّا مَاتَ تَمَرَّدَ وَرَثَتُهُ عَلَى مَبَادِئِهِ، وتَنَكَّروُا لِقِيَمِهِ، فَعَزَمُوا عَلَى تَغْييرِ نَهْجِهِ فِي مُسَاعَدَةِ الفُقَرَاءِ، وعَادَتِهِ فِي إِعَانَةِ الضُّعَفَاءِ، فَكَانَ عَاقِبَتُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ((إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَونَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَن لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون)) (سورة القلم آية 17 و27) .
  
   إِذَا كَانَ أَهلُ الكَفَاءَاتِ العِلْمِيَّةِ، وأَصْحَابُ المُبَادَرَاتِ المَالِيَّةِ، وأَرْبَابُ الجُهُودِ الإِصْلاَحِيَّةِ، ورُوَّادِ المَشَارِيعِ التَّنْمَوِيَّةِ، خَدَمُوا الوَطَنَ والمُواطِنينَ، مِمَّنْ هُمْ فِي عَصْرِنَا أَو غَابِرِ السِّنِين، فَإِنَّ مِنَ الصُوَرِ التِي يَتَجَلَّى فِيَها حُبُّ الوَطَنِ احتِرَامَ أَولئكَ النُّبَلاءِ، ونَشْرَ مَحَامِدِ الفُضَلاءِ، فَإِنَّهُم سَهِرُوا عَلَى رَاحَتِنَا، وَجَادُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وجُهُودِهِمْ لِرِفْعَتِنَا، فَمِنَ الوَفَاءِ لَهُمْ، وَأَدَاءِ الوَاجِبِ لِحَقِّهِمْ، إِبْرَازُ مَآثِرِهِمْ، وَإِشْهَارُ إِنْجَازَاتِهم، قَالَ تَعَالَى: ((هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ)) (سورة الرحمن آية 60)، إِنَّ تَكْرِيمَ الرُّمُوزِ الوَطَنِيَّةِ التِي بَذَلَتْ نَفْسَها وَمَالَها وحَيَاتَها فِي خِدْمَةِ أَوْطَانِها، وأَخْلَصَتْ فِي إِيضَاحِ طُرُقِ الرُّقِيِّ لِسُكَّانِها، يَكُونُ بِاقتِفَاءِ آثَارِهِمْ، والحِرْصِ عَلَى تَنْشِئَةِ الأَجْيَالِ عَلَى نَهْجِهِمْ وَمَسَارِهِمْ، وَلَقَدْ خَلَّدَ اللهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الكَرِيمِ، وسُطِّرَتْ فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخِ العَظِيمِ، مَوَاقِفُ العُظَماءِ الذِينَ سَعَوا فِي صَلاَحِ أَوْطَانِهِم، وسَاهَمُوا فِي الرُّقِيِّ بِبِلاَدِهِم، وحَسْبُكُمْ مُا ذَكَرَهُ اللهُ مِنْ ثَنَاءٍ عَطِرٍ جَمِيلٍ عَلَى رُسُلِهِ وأَنْبِيَائِهِ -صَلَوَاتُ اللهِ وسَلاَمُهُ عَلَيْهِم- وهُمْ رُوّادُ النَّهْضَاتِ المُشْرِقَةِ فِي أَزْمَانِهِمْ وبُلْدَانِهِمْ، بَلْ ضِيَاؤُهُمْ مُستَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وهُوَ أَيْضاً مَا أَثْنَى بِهِ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنينَ مِنَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، الذِينَ اجتَهَدوا فِي إِصْلاَحِ الأَوْطَانِ، وحَرَصُوا عَلَى سَلاَمَةِ بَنِي الإِنْسَانِ مِنَ الجَهْلِ والحِرمَانِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس: ((وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)) (سورة يس آية 20)، أَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ المَدِينَةِ غَيْرُ هَذَا الرَّجُلِ؟! بَلَى ولَكِنَّهُم عَجَزُوا عَنْ مِثْلِ هَذَا الجَمِيلِ مِنَ الفِعْلِ، فَأَثْنَى القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلَى مُؤْمِنِ آلِ ((يس))، وَخَلَّدَ ذِكْرَهُ؛ لأَنَّهُ أَخْلَصَ لِوَطَنِهِ وسَاكِنِيهِ، وعَاشَ هُمُومَ مُوَاطِنيهِ، وهَذَا النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- يُكْرِمُ ابنَةَ حَاتِمِ الطَّائيِّ عِرفَاناً لِلصِّفَاتِ النَّبِيلَةِ فِي أَبِيها، إِذْ كَانَ يَقْرِي الضَّيْفَ ويُعِينُ الضُّعَفاءَ، ويُسَاعِدُ المُحْتَاجِينَ وَالغُرَمَاءَ، ويَقِفُ خَادِماً لِوَطَنِهِ عِنْدَ النَّوائِبِ، ويَبْذُلُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ عِنْدَ المَصَائِبِ، إِنَّهُ الوَفَاءُ لأَصْحَابِ الصِّفَاتِ النَّبِيلَةِ، والأدَاءُ لِحُقُوقِ ذَوِي الأَعْمَالِ الجَلِيلَةِ، وَهُوَ فَوقَ ذَلِكَ إِحْياءٌ لِتِلْكَ الخِلاَلِ الكَرِيمَةِ، وَحَثٌّ عَلَى تِلْكَ المَكَارِمِ العَظِيمَةِ، أَلاَ وَإِنَّهُ حَقٌ لَنَا أَبنَاءِ هَذَا الوَطَنِ العَزِيزِ الغَالِي، ومُوَاطِنِي هَذَا البَلَدِ الكَرِيمِ العَالِي، الذِي عُرِفَ بِالفَضْلِ والكَرَمِ، وتُوِّجَ بِدُعَاءِ رَسُولِ خَيْرِ الأُمَمِ -صلى الله عليه وسلم- ، فَبُورِكَ فِي أَرْضِهِ وَسَمائِهِ، وكَثُرَ خَيْرُهُ مِنْ بَرِّهِ وَمَائِهِ، وَنَالَ بِمَكَارِمِ أَخْلاَقِ بَنِيهِ الثَّنَاءَ الحَسَنَ الجَمِيلَ، وهَبَّتْ نَسَائِمُ أَفْضَالِهِ كَالعَبَقِ العَلِيلِ.
   فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَأَحْيُوا جَمِيلَ مَفَاخِرِ وَطَنِكُمْ وَأمْجَادِهِ، واحْرِصُوا عَلَى الوَفَاءِ لَهُ وإِسْعَادِهِ، فَإِنَّكُم عَلَيْهِ أُمَناءَ، فَكُونُوا لَهُ نِعْمَ الأَبنَاءِ، بِالحِرْصِ عَلَى تَحَمُّلِ المَسْؤولِيَّةِ فِي مَسِيرَةِ البِنَاءِ، والإِخْلاَصِ لَهُ وَحُسْنِ العَطَاءِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: