أخبار رياضية

العبقرية الصحراوية! بناء منازل من قارورات البلاستيك..

عند شروق كل شمس على ارض الصحراء الغربية، يشرع تتاح لحبيب في مسيرة 2.8 ميلا سيرا على الأقدام نحو مغلب النفايات خارج مخيم اوسرد للاجئين الصحراويين، حيث يوجد الكنز الذي كان في البحث عنه زمنا طويل لمساعدة شعبه تحمل العيش في إحدى الأماكن الأقل رحمة على وجه  الكورة الأرضية والمتمثل في القارورات البلاستيكية.

يعيش حوالي 160.000 لاجئ صحراوي في الجنوب الغربي للجزائر، مقسمين إلى خمس مخيمات متفرقة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية الدولية في انتظار العودة إلى ديارهم. في غضون ذلك، يعتبر الكثير من اللاجئين، بما فيهم  تتاح لحبيب البالغ من العمر 28 سنة، أن القارورات البلاستيكية تعد مصدر إيواء مستدام في صحراء يشار إليها بحديقة الشيطان، حيث الجفاف، والحرارة و الفيضانات الموسمية تدمر معظم المنازل المبنية بالطوب.

نزح الصحراويين، السكان الأصليون للصحراء الغربية، من وطنهم عام 1975، عندما انسحبت اسبانيا من المنطقة،لتفتح المجال لموريتانيا والمغرب للمطالبة بإقليم شمال إفريقيا الغني بالثروات الطبيعية. قادت الجبهة الشعبية، حركة تحرير الصحراء، الكفاح المسلح من اجل الاستقلال، وأعلنت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1976. تراجعت موريتانيا علم 1979، واعترفت بالجمهورية الصحراوية، في حين استمر القتال بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى غاية1991، عندما أشرفت هيئة الأمم المتحدة على اتفاق وقف إطلاق النار يقود إلى عملية الاستفتاء بشأن تكريس دولة مستقلة أو الانضمام إلى المغرب. بعد مضي زهاء عشرون سنة، الاستفتاء لم يأخذ مجراه، بفعل رفض المغرب أي مسار يقوم على خيار الاستقلال.

ولد تتاح لحبيب في مخيم اوسرد للاجئين، ونشأ في بيت من طوب وخيمة وسط الكثبان الرملية. سنحت له  الفرصة دراسة الطاقة المتجددة في جامعة تلمسان بالجزائر، وحصل بعدها على منحة اراسموس لمتابعة إجازة الماجستير في تخصص كفاءة الطاقة بجامعة لاسبالماس بالجزر الكناري. لدى عودته إلى والديه ومجتمعه، كان تتاح واثقا من سعيه للتخفيف من ألام شعبه.

يقطع تتاح كل يوم مسافة طويلة لجمع القارورات من مغلب النفايات. ينضم إليه زميله، ويقضون طوال اليوم، في جمع ما أمكن من القارورات. بعد ذلك، تقوم شاحنة بنقل القارورات إلى مركز مخيم اوسرد لتملأ بالرمال، وتُنقل إلى مواقع البناء المختلفة. يتم ربط القارورات بمزيج إسمنتي، و وبمجرد الانتهاء منها، يصبح البيت جاهز لمقاومة الظروف المناخية القاسية في المنطقة.

فيما هو منهمك في وضع قارورة بلاستيكية لبناء بيت، قال:” راودني دائما حلم بناء مكان يأوي جدتي، يمكنها من النجاة من الشمس الحارقة، ومقاومة الفيضانات الموسمية القاسية”. ” ثمة أشخاص لم يكونوا يصدقون أن هذا الحلم يمكن أن يتحقق”.

طريقة البناء بالقارورات البلاستيكية ليس جديدة- الكثير من المجتمعات في العالم النامي يقومون ببناء مساكن مماثلة- لكن المساكن ما تزال توفر مكان للراحة بالنسبة للصحراويين. في الفاتح من نوفمبر، حصل مشروع القارورات البلاستيكية الذي قام به تتاح لحبيب على المرتبة الثالثة من بين 3000 مشروع إبداعي التي تم تقديمها للأمم المتحدة، مما أمد مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بتندوف بالموارد لتمويل تتاح من اجل متابعة حلمه، لكن هذه المرة  كمرحلة أولى من مسار مستقبلي طويل.  تغمر تتاح سعادة عارمة بالأفاق الواعدة في المستقبل. قال: ” حصلت على تمويل لبناء 25 بيت، يتألف كل واحد منهم من 6000 قارورة بلاستيكية. هذه البنايات سيتم تشيدها في الولايات الخمس”

تمر جهود جمع القارورات الآن على نطاق اكبر، فقد شرع تتاح في حملة توعية لتلاميذ المدارس. يسألهم هل سمعوا من ذي قبل بالبيوت المبنية بالقارورات البلاستيكية. البعض يجيب بنعم، والبعض الأخر يحترق شوقا لمعرفة ما هذا. يقوم تتاح بتوزيع صور لبيته المستدام، فتعلوا لابتسامة محيأ بعض الأطفال، في حين لا يكاد البعض الأخر يصدق.

ساهم العديد من أصدقاء تتاح المقربين في جعل المشروع ممكنا. محمد سالم محمد، احد زملاء تتاح في العمل، رافقه وساعده منذ البداية، وهو الآن يبني في مخيم اوسرد. فيما هو بصدد وضع قارورة كوكاكولا في المسكن الرابع الذي يوشك على الانتهاء، قال محمد سالم:” لقد شاركت في مساعدة تتاح، وأنا الآن ألقن الآخرين ما تعلمته منه.” يشرف محمد سالم على فريق  يتألف من أربعة شبان من اللاجئين الصحراويين.” أمنت بهذه الفكرة منذ اليوم الأول، والحمد لله فكرة مزدهرة وتوفر لنا فرص عمل.”

تكمن أهمية المشروع هي الأخرى في معالجته لمشكلة البقايا البلاستيكية. مضى على وجود اللاجئين الصحراويين بالمخيمات زهاء أربعون سنة، حيث يتم تكديس القارورات البلاستيكية في القمامة لعدم وجود الإمكانيات لإعادة تدويرها.وقد كشفت دراسة أجراها برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة عام 2014، انه يتم إنتاج ما يقارب 280 مليون طن من القارورات في العالم كل عام، و وتخضع فقط نسبة ضئيلة منها لإعادة التدوير. وكشفت دراسة أخرى عام 2015، انه في سنة 2010 وحده، ما بين 5 ملايين و 13 مليون طن متري من النفايات البلاستيكية انتهى بها المطاف في المحيطات. وقد كشف تقدير متحفظ ان المحيط يحتوي على 700 قطعة بلاستيكية لكل شخص على كوكب الارض.

إضافة إلى كونه بناء صديق للبيئة، يعمل مشروع تتاح كذلك، على صناعة الفارق في حياة الكثير من الأشخاص، على غرار اميلمنين الصالح، والدة طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، أجبرته الفيضانات الأخيرة التي هدمت بيته المصنوع من الطين على العيش في خيمة. وصرح الصالح لثينك بروغرس” نغضي شهور في بناء المساكن الهشة الأخرى، على خلاف هذا البيت المشيد بالقارورات الذي استغرق بناءه أسبوع”. وأكد:” البناء اقوي وأكثر فعالية. انا سعيد جدا كوني استفدت من هذه المبادرة.” وقد أردف ” الجيران معجبون دائما بالمنزل ويتطلعون للحصول على منزلهم الخاص بهم.”

في الجانب الأخر من المخيم تعيش الحاضرة سيدي محمد مع أمها وإخوتها. بجانب خيمهم شيَد بيت من قارورات كوكاكولا، تمت تقويته بالاسمنت وتزينه بنوافذ خشبية مصفرة اللون. أكد محمد فيما كان يجلس جنب أمه:” اعتقدت انه من المستحيل بناء بيت دائري الشكل من القارورات البلاستيكية”.” لكن عندما جاوا وبنوا لي واحدا،ذهلت من سرعة البناء، لقد استغرق أسبوع فقط.” كل بيت جديد يساهم في تعزيز شعبية البيوت المبنية بالقارورات البلاستيكية، ما يدفع أناس آخرين للتخطيط لبيوتهم الخاصة.

وصرحت والدة سيدأحمد لثينك بروغرس:” ولدي الولي، الراعي، يود بناء بيت مشابه في بادية الصحراء الغربية.” الأخ الأخر، نافع، الذي وصل لتوه من الداخلة، الولاية الأكثر بعدا من مخيمات اللاجئين ، بحوالي 125 كلم، يطمح هو الآخر للحصول على بيت . قال:” عندما أعود إلى عائلتي، سأشرع أنا كذلك مباشرة في جمع القارورات لبناء بيت”

هذا النجاح جعل تتاح يكتسب شعبية في مجتمعه وفي أماكن أخرى من المخيم، فالكثيرين من الأطفال الصغار حفظوا اسمه، وآخرين يسألونه إذا كان يحتاج إلى مزيد من القارورات. ومع هذا و ذاك، يتطلع تتاح ان يصل مشروعه إلى اكبر عدد من الناس.

بعد انتهاءه من حملة توعية في مخيم السمارة، حيث من المنتظر أن يشرع في بناء بيوت من القارورات، قال:” المرة المقبلة، سوف اعمل على نطاق أوسع، ليشمل المشروع اكبر عدد ممكن من الناس”. ” أريد أن تتمتع كل عائلة بمنزل مستدام يتوافق مع هذه البيئة القاسية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: