أخبار الجزائرالمنوعات

تأثير الجزائر على الثقافة الفرنسية: المفكر لوي ألتوسير نموذجا

من بين الكتب التي حللت بعمق أوجه تاريخ الصراع الثقافي بين الجزائر وفرنسا كتاب الأكاديمية الأمريكية باتريشه لورسين، التي كتبت عددا من الكتب عن تاريخ العلاقات الجزائرية– الفرنسية من منظور ثقافي وفكري وهو يحمل عنوان “هويات إمبريالية: التنميط، والتعصب، والعرق في الجزائر المستعمرة”.
يتميز هذا الكتاب بكونه موثقا ودقيقا ومملوءا بالمعلومات ومشبعا بالمرجعيات التاريخية وبأسماء المثقفين الفرنسيين الذين اهتموا بالشأن الجزائري. وإلى جانب ذلك، فإن “باتريشه لورسين” تسلط الضوء على المؤسسات الفرنسية التي أسندت إليها مهمة دراسة المجتمع الجزائري قبل تعرضه للاحتلال. وكان هدف تلك المؤسسات البحث عن ثغرات للتسلل منها إلى خلق نزاعات داخل المجتمع الجزائري لهدمه من الداخل. تشير هذه الباحثة إلى شخصية مفكرة كبيرة في الحياة الثقافية والفكرية والسياسية الفرنسية وهي شخصية (ألكسيس دو طوكفيل) الذي حرض الإدارة الفرنسية على استغلال الثنائية الإثنية المتمثلة في العرب والقبائل (البربر) لتقسيم المجتمع الجزائري. إن كتابات طوكفيل عن الجزائر تقدم شهادة قوية عن تورطه في مواقف استعمارية لم تنل حظها من الدراسة النقدية على أيدي مؤرخينا وكتابنا. هنا طبعا عشرات وعشرات من كبار المفكرين الفرنسيين المعروفين عالميا الذين تركوا كتابات حول الجزائر. ومن هؤلاء (سان سيمون) مؤسس مذهب (السانسيمونية) المعروفة في الأدبيات الاشتراكية العالمية. إن سان سيمون لا يختلف في الموقف الاستعماري عن مواطنه المذكور آنفا أي عن (طوكفيل).

إنه من الضروري القيام بفحص ودراسة كتابات هؤلاء المفكرين القدامى والمفكرين الفرنسيين المعاصرين، خاصة أولئك الذين ولدوا أو عاشوا في المجتمع الجزائري المستعمر حيث تشكلت طفولتهم، وبذور تفكيرهم الذي لعب فيما بعد دورا تأسيسيا لنظريات شتى في مختلف حقول المعرفة من تاريخ وفلسفة، وعلم اجتماع، وأنثروبولوجيا وآداب وهلم جرا. سأتوقف الآن عند الفيلسوف الشهير “لوي ألتوسير” الذي ولد بالجزائر ودرس فيها وفي حضنها تكونت معالم هويته كإنسان وكمفكر، أصبح من أبرز الفلاسفة اليساريين الفرنسيين في القرن العشرين، ليس في فرنسا فقط بل في كل أرجاء العالم الغربي بشكل خاص.

حسب علمي.. لم يكتب أحد دراسة يبرز فيها تأثير الجزائر على تكوينه كإنسان وعلى تشكيل أفكاره. في السيرة الذاتية التي كتبها “ألتوسير” عن حياته وعن فكره تحت عنوان: “المستقبل يدوم وقتا طويلا” يبدأ أولا بالقول: “ولدت في الساعة الرابعة والنصف صباحا وذلك في السادس عشر من أكتوبر من عام 1918 بمنزل يقع في غابة بولون بمنطقة بئر مراد رايس البعيدة عن عاصمة الجزائر”. ثم يخبرنا بأن عائلته أقصيت من فرنسا إلى الجزائر بالقوة هكذا: “هناك ذكرى قاسية وهي أنه في عام 1871، أي بعد الحرب بين نابليون الثالث وبسمارك، اختارت عائلة ألتوسير فرنسا، وكان شأنها شأن الكثير من الألزاسيين (نسبة إلى منطقة ألزاس لورين) الذين أبعدوا إلى الجزائر من قبل حكومة ذلك الوقت”.

يصرح ألتوسير بوضوح أنه قد تعلم في الجزائر المستعمرة درسين مهمين قد لازماه في حياته وانعكسا على تجربته الفكرية فيما بعد. إذا كان المفكر الفرنسي روجيه غارودي قد دخل الإسلام من باب الجزائر بشكل خاص، كما يعترف بذلك في كتابه “حوار الحضارات”، فإن الفيلسوف لوي ألتوسير قد تعلم أول درس في السياسة فيها أيضا. يتحدث ألتوسير في سيرته الذاتية المذكورة آنفا عن الحب الحقيقي وعن الكولونيالية الفرنسية كتجربة عاش تفاصيلها طفلا. يقول ألتوسير: “إنه (أي جده) قد ارتمى في أحضان الصمت وذلك من أجل أن يتحدث إليّ وفي كل وقت كان يشير ويشرح عجائب الغابة التي لم أكن أعيها بعد. إنه بدلا أن يسألني عن أي شيء فهو قد واصل الحديث ليغمرني بشلال من الهبات والمفاجآت. وهكذا أدركت لأول مرة كيف يمكن أن يكون الأمر عندما يحبك أحد ما. إن الانطباع الذي لازمني في كل مناسبة قد تمثل في استقبال شيء دون أن يتوقع مني أن أعطي شيئا مقابل ذلك”. ثم يواصل قائلا: “وفيما بعد علمت أن الجيش الفرنسي الذي غزا مدغشقر أيام التوسع الاستعماري قد ألقى القبض على الملكة (ملكة مدغشقر) وأسرها بالقوة وأتى بها إلى مقر يطل على الجزائر العاصمة، حيث أخضعت للمراقبة عن قرب. وفي مدينة البليدة التقيت برجل أسود ضخم الجسد كان يحتمي بمظلة وقام محييا بأذرعه كل المارين هكذا: “أيها الأصدقاء إنكم كلكم أصدقاء”. كان اسمه بيهازين وكان “إمبراطور الداهومي” السابق الذي نفي إلى الجزائر. لقد كانت الوضعية غريبة عني، إنها كانت وبلا شك، أول درس لي في السياسة”.

إن هذا الدرس الأول الذي تعلمه “ألتوسير” من تجربته الجزائرية يتلخص في السياسة الاستعمارية الفرنسية التي كرست أسلوب النفي لرموز السيادة في البلدان الإفريقية إلى مستعمراته مثل الجزائر. إذ يذكر ألتوسير في سيرته الذاتية أن الجزائر المستعمرة قد حولتها الإدارة الاستعمارية إلى منفى لكل من يعارض الوجود الكولونيالي في أي بلد إفريقي. من هنا نستنتج أن “لوي ألتوسير” قد تشرب من تجربته الجزائرية تمرده الفكري على ظاهرة الاستعمار، بما في ذلك الرأسمالية، كاستعمار طبقي للشرائح الفقيرة والعمالية. يواصل ألتوسير سرد عدد من ذكريات طفولته التي أثرت عميقا في بنيته النفسية التي نقلها فيما بعد إلى مسرح السجال الفكري. وبهذا الصدد كتب ما يلي: “لقد كانت فضيحة أن يكون الفرد المجرم محميا من طرف المؤسسة: فكر ماذا كان سيحصل لجزائري عادي في نفس الوضعية”. إن ألتوسير يشير هنا إلى ازدواجية معايير المؤسسة الفرنسية التي كانت تحمي المجرم الفرنسي وفي الوقت نفسه لا تحمي الفرد الجزائري العادي الذي لا علاقة له بالإجرام من بعيد أو من قريب.

أما الدرس الثاني الذي تعلمه ألتوسير من الجزائر فيتلخص في الموقف العنصري للفرنسيين المستعمرين الذين استوطنوا المستعمرة الجزائرية وربطوا الإبداع العلمي والفكري بالعرق ونفوا أن يكون للجزائري نصيب منه. وهنا نجد ألتوسير يسمي بعض القادة الاستعماريين المتمسكين بالعنصرية وبالتفسير العرقي لنشأة أي ظاهرة فكرية أو علمية. وبهذا الخصوص قال ألتوسير: (“إن مهمة هرد بعد الحرب لم تكن متوقعة ككل”، ولقد أقنعه أحد أبنائه، الذي كان يسوعيا وعاش في الجزائر على مدى عدة سنوات، بأن المسلمين ولأسباب وراثية غير قادرين أن يرتفعوا إلى مستوى التحديات المعرفية العلمية وذلك لسبب ديانتهم وكتاباتهم”). يعلق ألتوسير على هذا الموقف العنصري برفضه له وفي الوقت نفسه نوّه بالتراث الإسلامي، مذكرا بأن العرب قد كانوا ورثة أرخميدس وأنهم هم الذين اخترعوا شكلا طبيا صوريا وترجموا وأولوا أرسطو. ويضيف ألتوسير مبرزا استعمارية هذا المواطن الفرنسي العنصري: “أصبح رأسه معبأ بأنه ينبغي على الفرنسيين ألا يغادروا الجزائر، وصار متعصبا للجزائر الفرنسية في الوقت الذي كان الجنرال ديغول مستعدا للاستسلام لمطلب الاستقلال المقدم من قبل مستعمرته القديمة”.

ويذكر بعض رفاق ألتوسير أنه قد جمعه عشاء مع الجنرال ديغول مرة وقال له في تلك المناسبة إنه من الضروري إنهاء احتلال فرنسا للجزائر. إن هذا الدرس الثاني الذي تعلمه ألتوسير في الجزائر قد بقي وفيا له طوال مسار حياته الفكرية حيث نجده يستبعد النزعة العرقية أو التعصب الديني من جميع مؤلفاته الفكرية. على ضوء ما تقدم، فإن فكر ألتوسير ليس نتاجا للمحيط الثقافي الفرنسي أو الغربي فقط وإنما هو انعكاس لمخزون وعيه ولا وعيه الذي ترسب فيهما أثناء طفولته وشبابه المبكر حينما كان يعيش تجارب الحياة في مسقط رأسه بالجزائر أيضا.

بقلم : عمر ازراج

icon-tags

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: