ثقافة و فن

ترسيم الأمازيغية: من يخاف التاريخ لن يصنع الحضارة

اشك أن ترسيم اللغة الأمازيغية في مشروع الدستور، الذي لم يصادق عليه بعد، حدث مهم جدا في الحياة السياسية والثقافية الوطنية، ومكسب تاريخي رغم أن الجزائر قد تخلفت بسنوات طويلة بخصوص الاعتراف بهذه اللغة كلغة رسمية، وجراء هذا التخلف غير المبرر دفعت البلاد ثمنا غاليا جدا تمثل في الضحايا الذين قتلوا أو أودعوا السجون، وفي بروز فصيل داخل الحركة الأمازيغية يدعو إلى الانفصال، وفي الكتابة الانتقائية للتاريخ الثقافي الجزائري.
وبدون أدنى شك أيضا، فإن هذا الاعتراف سيخلق انفراجا في المجتمع الجزائري رغم بروز عدد من المعارضين لهذا الترسيم، وخاصة بين أوساط مجموعة من المعرّبين التقليديين ذوي النزعة الاقصائية الذين “دوختهم” الإيديولوجيا المستوردة من المشرق العربي، لابد من التفاؤل أن الصراع اللغوي الأهلي المهدد لاستقرار الجزائر سوف يقفل بابه، وأن المعركة الحقيقية قد أصبحت ملخصة في ترقية وتحديث اللغة العربية، وفي بث الحياة في اللغة الأمازيغية لكي تقف على رجليها كلغة فكر وآداب وعلم وتكنولوجيا وإدارة…
ADVERTISEMENT

وفي الواقع، فإن الصراع في الجزائر لا ينبغي أن يكون بين اللغة العربية وبين اللغة الأمازيغية، وإنما بين التخلف وبين التقدم، وبين الأحاديين المتزمتين الذين يحشرون الهوية في صندوق مغلق وبين الديمقراطيين الذين يباركون التعددية الثقافية واللغوية الوطنية الخالية من النزعات العنصرية والجهوية.

من الواضح أن التيارات الأمازيغية نفسها لم تشرع بعد في الحوار العلمي حول الكيفية التي تكتب بها اللغة الأمازيغية، وهنا نتساءل: هل يمكن أن يكون هذا الاعتراف بالأمازيغية لغةً رسمية فاعلا قبل ترسيم الحروف التي ستُكتب بها في وسائل الإعلام، وفي مختلف الأجهزة الإدارية للدولة، وفي المنظومة التعليمية… الخ؟ من البديهي القول إن اللغة الرسمية أو الوطنية في أي مجتمع لا يمكن أن تؤدي مهامها إذا لم تكن لها حروفٌ موحدة تكتب بها ومتفق عليها مسبقا، إنه بسبب انعدام هذا الاتفاق على حروف هذه اللغة في المشهد السياسي الجزائري، فإن المعركة قد تنفجر بسبب هذا المشكل لأن التيار الأمازيغي الفرانكفوني يصرّ باستمرار على كتابة اللغة الأمازيغية بالحروف اللاتينية، أما التيار الأمازيغي المتشبّث بالأصول التاريخية فيطالب باستخدام حروف التيفناغ الأصلية التي تشترك فيها الجزائر مع عدد من الدول المجاورة غربا وجنوبا، في حين نجد التيار الأمازيغي الذي يحمل الازدواج الثقافي الأمازيغي/ العربي يدعو إلى كتابة اللغة الأمازيغية بالأبجدية العربية.
لقد علمتني تجربتي بالقناة الثانية من الإذاعة الوطنية الناطقة باللغة الأمازيغية، وذلك من خلال البرنامج الثقافي والفكري الناطق بالأمازيغية الذي اشتغلتُ عليه مرة في الأسبوع على مدى عامين كاملين برفقة الإعلامي الجزائري المقيم حاليا في ألمانيا السيد مولود علاق، وتمكننا من إنتاج ما لا يقل عن 85 حصة قمنا فيها بمناقشة القضايا الفكرية، وبنحتِ المصطلحات الفكرية والأدبية واستخدام اللغة الواصفة من أجل جعل هذه اللغة تتحدث لغة الفكر والنقد الثقافي والأدبي، علمتني هذه التجربة أن إخراج اللغة الأمازيغية من الطور الشفوي إلى فضاء اللغة العالمة أمرٌ لا يخلو من الصعوبات والمشاكل، نظرا لذلك، فإن العمل الجدي المنتظر الآن ينبغي أن ينصبّ على توحيد مختلف لهجات الأمازيغية في قاموس ألسني موحّد وترقيته من ناحية المفاهيم والمصطلحات لكي يرقى إلى ما يسمى في علم اللسانيات باللغة الواصفة التي تعدّ الشرط الجوهري الذي يمكّنها من دخول عوالم العلوم المختلفة، والتعامل مع الفلسفة، والفكر، والآداب، والترجمة من اللغات العالمية، ويضمن لها بالتالي الاستمرار في الوجود.

إن هذا الهدف مشروطٌ بتوفر القيادة التي تؤدي إلى حسم هذه المشكلات الحقيقية التي تمثل العقبة الكبرى أمام الأمازيغية لغة وثقافة وفكرا، كما ينبغي أن يتجاوز التعامل مع اللغة الأمازيغية كمجرد ورقة سياسية تُلعب من طرف هذا أو ذاك بشكل براغماتي مكشوف لتهدئة الخواطر حينا، ولسحب البساط تحت أقدام هذا التيار أو ذاك، إلى أفق جديد مدعم باستراتيجية مخطط لها لإنقاذ هذه اللغة من الموت البطيء، ولإعطاء مضمونٍ وطني متفتح للتعددية الاثنية وحمولاتها الثقافية واللغوية في المجتمع الجزائري وبعيد عن عقدة الخوف من حقائق التاريخ لأن من يخاف التاريخ لن يصنع حضارته المميزة.
لابد من الاعتراف أن المسألة الأمازيغية قد حولت منذ سنة 1936م إلى تناحر سياسي لم تسلم منه سياسات مرحلة الاستقلال التي لم تتجاوز هذا الإرث الثقيل، وبالعكس فقد أزمت الهوية الوطنية طوال مرحلة الاستقلال جراء ممارسات وآليات كبت وتأجيل البُعد اللغوي والثقافي الأمازيغي في المجتمع الجزائري، وجراء التعامل مع اللغة العربية أيضا كلغة “الحروز” والحساب والعقاب في الآخرة.

إن هذا التلاعب بمصير الهوية الجزائرية، معناه تغييب الذاكرة الثقافية التاريخية للأجيال الجديدة في الجزائر التي لا تعرف تعقيدات الجذور التاريخية للصراع حول القضية الاثنية الأمازيغية في الجزائر والأطوار التي مرّت بها والمشكلات الحادة التي أفرزتها في الماضي ولا تزال تفرزها منذ سنوات طويلة، إن هذه الأجيال لا تدرك أن نشوء النزعة البربرية “الأمازيغية” في الجزائر ليست بنت مرحلة الاستقلال، بل إنها تعود إلى ما يقرب من 80 سنة، لنستمع إل ما قاله أحد أقطاب حركة التحرر الوطني الجزائري والمؤرخ المعروف محمد حربي بخصوص تعقيدات هذا الإرث الثقيل: “إن المنطقة الريفية البربرية (الأمازيغية) المتقوقعة في موقف دفاعي ومنغلق على ذاته، وهجرة الكثير من فلاحي وعمال هذه المنطقة إلى فرنسا، ووجود أدب شفوي شديد الحيوية، واعتراف الحزب الشيوعي الجزائري بالفرادة البربرية، إضافة إلى الصراعات التي نشبت بين الزعيم مصالي الحاج، ومنافسيه البربر أثناء الانتخابات منذ 1936م، إلى جانب القرار الصادر من قبل قيادة حزب الشعب الجزائري القاضي بقتل المرشحين البربر”.

بقلم : عمر ازراج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: