أخبار رياضية

تعقيدات الشرق الأوسط تُفشل الأعمال العسكرية

أحاول في  هذه المقالة أن أبين للقارئ الجزائري لماذا لا يمكن لوجهات النظر الواقعية وحدها أن تفسر تعقيد انعدام الأمن في الشرق الأوسط، ولماذا تبدو الصراعات الداخلية والإقليمية في المنطقة، منذ عام 2003، لا نهاية لها.

ما هي بدائل الدعوة إلى نظرية واحدة خاصة بالعلاقات الدولية لشرح طبيعة المناطق المختلفة ذات الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية والاقتصادية والأمنية المختلفة؟

يمكن لخصائص الشرق الأوسط أن تثبت أن الولايات المتحدة مخطئة في معالجة مشاكل المنطقة من خلال تبني سياسات القوة الشاقة، على الأقل حتى الآن، كما فعلت في أفغانستان والعراق وسوريا.

تزامنت نهاية الحرب الباردة مع التحول من الصراع بين الدول إلى الصراعات داخل الدول، ومنذ ذلك الحين شهد العالم المزيد من الصراعات داخل الدول أكثر مما بينها، كما أن العالمیين الذین یحملون فھمًا مرکزیًّا للسلطة یفشلون في التنبؤ بقضایا داخل الدول وشرحھا.

وتواصل واشنطن التعامل مع انعدام الأمن الإقليمي المعقد في الشرق الأوسط من نهج أمني ضيق التحديد، وهو النهج العسكري، ومرة أخرى تفشل أمريكا في إرسال رسائل صحيحة، وبدلًا منها تحافظ على إرسال “الرسائل القوية”.

يظل السؤال المطروح هنا: هل يمكن إصلاح قضية أمنية متعددة الطبقات في الشرق الأوسط من خلال هذا النهج العسكري؟

هناك على الأقل ستة أسباب متشابكة، تشرح سر عدم قدرة الولايات المتحدة على كسب حروبها في الشرق الأوسط، وأيضًا تفسر أسباب فشل الحل العسكري في حل المشكلة.

من بين هذه الأسباب القضايا الاجتماعية والمجتمعية والوطنية والسياسية والإقليمة والدولية، حيث إن التفاعل بين هذه الانقسامات يخلق مشاكل أمنية معقدة للغاية، ولا يمكن التنبؤ بها، وهو الأمر الذي يتطلب نهجًا شاملًا وجامعًا.

وبينما هذه الأسباب قد لا تكون محددة للشرق الأوسط، إلا أن وجود واحدة فقط منها يعد مشكلة كبيرة.

كثيرًا ما يهمل الأكاديميون والنخب وصانعو السياسات حقيقة أن المجتمعات في الشرق الأوسط تتألف من فئات وفئات مختلفة، لكل منها توقعات مختلفة، وتسعى إلى مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة، وهذه المطالب ذات أصول تاريخية ومتغيرة، على  سبيل المثال في مصر، تجمع مئات الآلاف من مختلف فئات الشباب في ميدان التحرير، ساعين للديمقراطية، ومطالبين باستقالة الرئيس الاستبدادي بالاستقالة، وأجبروه على القيام بذلك، متجاهلين حقيقة أنه عندما تجرى الانتخابات في العام التالي، سيشارك ملايين المصريين في المدن الصغيرة والقرى أيضًا فيها، ومعظمهم من الذين يدعمون جماعة الإخوان.

وبالفعل اعتبرت نتيجة الانتخابات كارثية، واعترض عليها الكثير من الأشخاص، مما أدى إلى انقسام كبير في المجتمع المصري، والذي لا يزال قائمًا حتى الآن، ونتيجة لذلك، تحدد الفجوة بين الناس على أساس مصالحهم الاجتماعية.

أما الانقسامات الاجتماعية فتتمثل في الهوية العرقية أو الدينية أو الطائفية، حيث إن الدول التي تم بناؤها بشكل مصطنع لا تكمل عملية صنع الهوية الوطنية، وتقوض تماسك ووحدة الدول في الشرق الأوسط، ومعظم الهويات عابرة للحدود الوطنية، والأهم من ذلك أنها لا تمثلها حكومتها المركزية، وتتجاهل حقوقها، وفي بعض الحالات لا تعترف الثقافة الحاكمة السائدة بوجودها.

إن عشرات الملايين من الأكراد المقيمين في تركيا والعراق وإيران وسوريا، على سبيل المثال، ليسوا مضطهدين من حكوماتهم فحسب، بل أيضًا من الحكومات المجاورة. وهم إما يتعرضون للهجوم، أو يعملون بصورة آلية لأغراض سياسية.

الانقسامات الوطنية تقع بين الشعوب وحكوماتهم، بغض النظر عن الانتماءات الاجتماعية أو المجتمعية، معظم دول المنطقة استبدادية، تحت مظاهر مختلفة، سواء كانت عسكرية أو دينية أو عرقية أو طائفية أو ملكية، وبالكاد تصنف ديمقراطية من قبل شعوبها، وقد ورث المنطقة هؤلاء الحكام من القرن العشرين، ليظهر ما يسمى بالدول القومية والتي تم تعزيزها خلال الحرب الباردة، وفي ذلك الوقت، اعتبرت القوى العظمى أن دول المنطقة هي أغراض تخدم مصالحها الجيوسياسية. ونتيجة لذلك، أهملت الشعوب ومصالحها لفترة طويلة.

أدت الفجوة المتزايدة بين الناس وحكوماتهم إلى العديد من الثورات والحروب الأهلية والانفجارات والانقلابات في جميع أنحاء المنطقة منذ بداية القرن الحادي والعشرين، ومع زيادة الوعي، طالبت الشعوب بالمزيد من الحرية.

التقسيم السياسي، وهذا يشير إلى تجزؤ النظم السياسية، وبما أن معظم الحكومات في المنطقة ليست بالضرورة منتخبة ديمقراطيًّا، فإنها غالبًا ما تعتمد على الجيش وقوات الأمن للحفاظ على أمن الدولة، فالشرعية لم يسعَ إليها الشعب بشكل ديمقراطي، كما أن النظام الريعي أدى إلى فك ارتباط الدول عن الناس اقتصاديًّا. ومع ذلك، فقد تم تقسيم السلطات في المنطقة أيضًا: الإصلاحيون مقابل المحافظين في إيران، والقادمون مقابل الإسلاميين في تونس، أو الإسلاميون مقابل العسكريين في مصر، وأيضًا في تركيا، والتجزئة داخل أسرة آل سعود الحاكمة في المملكة العربية السعودية، وهلم جرا.

التقسيم الإقليمي، هذا التقسيم كان قائمًا على الأقل منذ الحرب الباردة العربية بين القومية المصرية والسعودية في فترة الخمسينيات والستينيات، ومع ذلك لم يتغير توازن القوى إلا لصالح إيران بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003.

إن تصاعد قوة إيران ونفوذها في العراق ولبنان وسوريا واليمن، كان ينظر إليه من قبل العديد من الدول العربية وخاصة السعودية باعتباره تهديدًا لأمنها، وقد ترجم هذا التنافس السياسي إلى لغة طائفية، ومنذ ما يسمى “الربيع العربي” في عام 2011، تحولت الثورات إلى حروب بالوكالة في العراق وسوريا واليمن، في حين تحولت في لبنان والبحرين إلى مواجهات سياسية.

الانقسامات الدولية، تتمثل في المواجهات الدولية الحالية بين الولايات المتحدة وروسيا في الشرق الأوسط، وفي أوكرانيا هي تقسيم دولي آخر يؤثر على المنطقة، وما يجعل التقسيمات الإقليمية الآنفة الذكر أكثر تعقيدًا هو وجود مصالح كبرى للقوى الدولية في المنطقة، وسط تزامن تراجع قوة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي، وخاصة في الشرق الأوسط مع صعود روسيا إلى السلطة وتزايد مشاركتها في المنطقة لخدمة مصالحها الجيوسياسية، وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية في سوريا، بجانب تضرر شرعية الولايات المتحدة ومصداقيتها بشكل خطير منذ غزو العراق في عام 2003، وأدائها الضعيف بعد ذلك في حربها على الإرهاب.

مثل هذا التنافس الدولي بين الولايات المتحدة وروسيا إلى جانب التنافس الإقليمي بين السعودية وإيران خلق مثل هذا المجتمع الأمني، حيث يميل كل جانب إلى معالجة مخاوفه من خلال تعبئة وكلاءه، وقصف أعدائه، وغالبًا ما يكونون حلفاء الجانب الآخر.

وفي أحسن الأحوال، فإنهم ينسقون كيف وأين يقصفون، وليس بالضرورة لتحقيق أهدافهم، بل في الواقع، للتأكد من أنهم لا يضربون بعضهم بعضًا.

فمجرد وجود أي من المشكلات المذكورة أو عدد قليل منها سيؤدي حتمًا إلى انعدام الأمن في أي منطقة، ومن المثير للاهتمام أن جميع الأقسام الستة المترابطة موجودة بقوة في الشرق الأوسط اليوم، وبعض هذه القضايا هيكلية وهي ذات طابع اجتماعي تاريخي، والتفاعل بينها يجعل حالة الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا، كما تتطلب معالجة هذه القضايا اعتماد نهج شامل.

إن القضايا المذكورة في هذه المقالة قد لا تكون ناجمة عن وكالة محددة أو حدث رئيسي أو حادثين رئيسيين مثل غزو العراق عام 2003 أو الانتفاضات العربية عام 2011 أو حتى ظواهر تاريخية هامة، مثل الانقسامات داخل الطوائف الإسلامية، وظهور الدول القومية التي تم إنشاؤها بشكل مصطنع،  ولكنها بناء اجتماعي تاريخي.

ومع ذلك، مهما كانت هذه الانقسامات الأمنية أو التهديدات تصور أو ينظر إليها، فهي قوية وموجودة، ربما تم اختراعها، ولكنها تمارس.

القصف وإطلاق الصواريخ قد يكونان رسالة سياسية قوية تخدم المصالح السياسية للسياسيين، ولكنهما لا يستطيعان حل الأزمات الأمنية الإقليمية في الشرق الأوسط، وحتى الآن، ومنذ فترة طويلة، ظلت القوى الدولية تخدم وتسعى إلى تحقيق أمنها الوطني والاقتصادي والعسكري والسياسي، ولكنها لا تكاد تسعى إلى تحقيق الأمن البشري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: