المنوعات

ثورة الربيع العربي في مصر.. من الحلم إلي الكابوس

الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي جاء إلى السلطة قبل ثلاث سنوات اشتهر بأسلوب حديثه الناعم والهادئ جدا. هذا الأسلوب غالبا ما يساعد في تهدئة عداء المنتقدين، يقول عنه دبلوماسي أوروبي “عندما تتحدث إليه، خلافا لمعظم الجنرالات، هو ينصت”.
وقالت مسؤولة في الإدارة الأميركية “هناك الساسة الذين يريدون دائما أن يكونوا الأعلى صوتا في الغرفة ثم هناك الذين هم قادرين ولكنهم ليسوا بالضرورة الأعلى صوتا”.
الأمر نفسه يمكن تطبيقه على الثورات، حيث غالبا يتم إطلاقها بواسطة المتحدثين الجريئين الحماسيين، بينما يستقطبها أولئك الهادئون الحذرون. في فبراير 2011، عندما أجبرت ثورة ميدان التحرير الرئيس حسني مبارك على الاستقالة، كان السيسي مديرا للاستخبارات العسكرية، وهو المنصب الغير متداول للجمهور في مصر.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-12-02 06:12:36Z | http://piczard.com | http://codecarvings.com
تولى مبارك السلطة على مدار ما يقرب من ثلاثين عاما، وتمت الإطاحة به من قبل ثورة 25 يناير التي افتقرت إلى القيادة أو الهيكل التنظيمي. بعد ذلك، تم حكم مصر من قبل المجلس العسكري الذي كان من المفترض أن يشرف على الانتقال إلى حكومة مدنية.

fdrdt
كان السيسي أصغر عضو في هذا المجلس وأفادت تقارير أنه قام بدور قيادي في محادثات سرية مع جماعة الإخوان المسلمين. كانت جماعة الإخوان لديها دائما علاقات متوترة مع الجيش، ولكن خلال فترة ما بعد ثورة 25 يناير، صعدت الجماعة إلى السلطة من خلال سلسلة من الانتخابات الشعبية.
في يونيو 2012، عندما فاز محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية في مصر، الجيش لم يتدخل. لم يمض وقت طويل بعد توليه منصبه، أحال مرسي للتقاعد وزير الدفاع، جنبا إلى جنب مع قادة عسكريين آخرين. وثق قادة الإخوان في السيسي جزئيا لأنه كان مسلم متدين وتم تعيينه وزير الدفاع الجديد.

dfer
لم يمض وقت طويل حتى اتخذ مرسي خطوة جريئة أخرى. في نوفمبر، أصدر المرسوم الرئاسي الذي منحه صلاحيات مؤقتة وجعل قراراته محصنة من أي جهة قضائية كوسيلة لاستباق المعارضة على إقرار دستور جديد ودي للإسلاميين.
إلي جانب أمور أخرى، كانت هذه الخطوة هي نقطة تحول في رصيد الدعم السياسي لجماعة الإخوان. خسرت الجماعة دعم معظم الثوريين، ونمت المعارضة بشكل مطرد، حتى أن العديد من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الشرطة، عملت ضد حكومة مرسي.
في 30 يونيو 2013، نزل المصريون إلى الشوارع ضد حكومة مرسي. ذكر مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية أنه حتى النهاية، بدا قادة الإخوان يعتقدون أن السيسي إلى جانبهم، وقال ” لقد تفاجأ مرسي إلى حد كبير تماما عندما تحول السيسي ضده”.
في 3 يوليو، قام الجنود باحتجاز مرسي، وظهر السيسي على شاشة التلفزيون ليعلن أن حكومة انتقالية ستحكم البلاد حتى إجراء انتخابات وإقرار دستور جديد. خلال الأشهر التي تلت ذلك، تمتع السيسي بشعبية هائلة، لكنه بدا عازما على البقاء مبهما. نادرا ما كان يظهر علنا، ولم ينضم إلى حزب سياسي. وعندما رشح نفسه للرئاسة، في ربيع عام 2014، لم يكلف نفسه عناء توضيح بعض التفاصيل الأساسية عن حياته.
ولكن منذ أن أصبح رئيسا، بدأت المعلومات عن شخصيته وسياساته تتكشف أكثر. سلسلة من أشرطة الفيديو والأشرطة الصوتية التي سجلت سرا، المعروفة باسم “تسريبات السيسي”، أظهرت الرئيس يتحدث صراحة عن مواضيع حساسة بدءا من كيفية استخدام وسائل الإعلام إلي الحصول على أموال من دول الخليج.
أصبحت انتهاكات حقوق الإنسان أسوأ بكثير مما كانت عليه في عهد مبارك، والاقتصاد ضعيف إلى حد خطير. خلال السنة والنصف الماضية، كل شيء ضمن لرجل مثل السيسي الصعود إلى قمة السلطة في مصر الثورية لم يكن كافيا لضمان إحداث تغيير حقيقي.
أعتمد السيسي على دعم وسائل الإعلام المصرية. في أحد التسجيلات يظهر الرئيس السيسي يستمع لضابط وهو يقدم نصائحه حول العلاقات مع الصحافة. قال الضابط “في رأيي، أعتقد أن وسائل الإعلام بأكملها في مصر يتم التحكم بها من قبل عشرين أو خمسة وعشرين شخصا.. هؤلاء الأشخاص، يا سيدي، يمكن الاتصال بهم أو العمل معهم بطريقة ما غير معلنة”.
في مصر، جرت العادة سيطرة الرئيس على وسائل الإعلام إلى حد كبير. ليس هناك جهة سواء وزارة إعلام أو صحافة أو إنترنت غير مقيدة. في ظل نظام مبارك، لم تكن تلك القيود محددة رسميا، حيث كان يتم السيطرة على الإعلام من خلال مزيج من التهديدات المبطنة والمكافآت.
بعد الثورة، انهار هذا النظام، وكان هناك عامين ونصف من الحرية الكاملة تقريبا للصحافة، تلتها فترة دعم بالإجماع تقريبا للسيسي. لكن في الآونة الأخيرة، ظهرت بوادر الانشقاق عن هذا الإجماع من خلال انتقادات لأسلوب إدارة العديد من الملفات الاقتصادية والسياسية.
عندما يحلل الغربيون تصرفات شخصية سلطوية، هم يميلون إلى التركيز على صاحب العقلية نفسه، لكن في كثير من الأحيان المؤسسية تهم أكثر من الفرد. في بعض النواحي، السيسي هو سياسي عادي، وخطبه، التي يقدمها بالعربية العامية، كثيرا ما تبهر متوسط المصريين. ولكن رؤيته السياسية فردية، وليست مؤسسية.
منذ توليه منصبه، سعى السيسي لتبرير حملته على الحريات المدنية من خلال الإعلان أن مصر في معركة وجودية ضد الإرهاب. بالنسبة للسيسي، خدم نظام مبارك بمثابة حكاية تحذيرية. فيما يتعلق بالانخراط العائلي في السياسة وترأس حزب سياسي قد يسيطر عليه مع مرور الوقت الفاسدين.
قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية أن السيسي يرى فقط المخاطر ولا يرى فوائد وجود حزب، مضيفا “يحتاج السياسيون في الواقع الأحزاب لأسباب أكثر من مجرد لكي يتم انتخابهم.. أنت بحاجة للاستماع من الناس في جميع أنحاء البلاد”.
يقول عدد من المسؤولين الأمريكيين إنه خلال الانتخابات الرئاسية بعد ثورة 25 يناير كان هناك حذر داخل قادة المؤسسة العسكرية من أحمد شفيق، خصم مرسي. السيسي وغيره من العسكريين رأوا أن شفيق قد يكون أكثر خطورة من مرسي.
ووفقا للمسؤولين الأمريكيين، يبدو أن القادة العسكريين في مصر يعتقدون أن الإخوان يمكن السيطرة عليهم بسهولة، في حين شفيق قد يبعث حزب مع سلطة سياسية حقيقية. حتى بعد هزيمة الإخوان، ضمنت السلطات أن شفيق يبقي بعيدا عن مصر مع تهديد بقضايا قانونية في مصر لمنع عودته.
بدون أحزاب سياسية حقيقية وسياسيين محترفين، لن يكون هناك طرق للشباب المصري للانخراط في الحياة السياسية، بدلا من الاحتجاج في الشوارع. الأحزاب القائمة ضعيفة جدا وغير منظمة لحشد مساعدين أو متطوعين على أساس منتظم، والقوانين تهدف إلي تجريم وتفكيك المنظمات غير الحكومية.
بشكل عام لا يزال هناك تأييد كبير للسيسي، لكن تظهر استطلاعات الرأي أن الاستياء والتشكك يسود بين الشباب أكثر من المصريين الأكبر سنا. تقريبا 60% من السكان في مصر تحت سن الثلاثين، والشباب بشكل أساسي هم من أطلقوا شرارة احتجاجات ثورة 25 يناير. والأهم من ذلك هو أن الشباب يمثلون القطاع الأكثر تضررا من أكبر نقطة ضعف للسيسي: سياساته الاقتصادية.
واحدة من الزيارات الرسمية الأولى للسيسي في عام 2014 كانت الصين. في العام التالي، كان هناك حديث في الإعلام عن الاقتداء بالصين، بحيث مصر يمكن أن تستخدم السلطوية لصنع سياسة اقتصادية حاسمة.
رغم ذلك، أوضح دبلوماسي صيني في القاهرة أن مصر تسير في الاتجاه المعاكس من الصين. وقال أشرف الشريف، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة، “أستطيع أن أفهم العقد الاجتماعي الذي هو الاستبداد مقابل التنمية. ولكن في مصر لديك الاستبداد مقابل عدم التنمية”.

dferr
في الصين، بلغ متوسط الإنتاج أكثر من 30 % من الناتج المحلي الإجمالي على مدى العقود الثلاثة الماضية. في مصر، التي تملك الشباب والأيدي العاملة الرخيصة والوصول العظيم إلى الممرات الملاحية، لا يمثل التصنيع سوى 16% من الناتج المحلي الإجمالي.
السيسي في خطاباته لا يركز على التصنيع، ولم تفعل سياساته شيئا يذكر لتعزيز ذلك. يستند القطاع الصناعي في مصر إلى حد كبير على استخراج وإنتاج الطاقة، والتي يعمل فيها عدد قليل نسبيا من الناس وتتقلب مع أسعار النفط. بدلا من ذلك، ركز السيسي على مشروعات عملاقة، مثل توسيع قناة السويس، التي تكلفت مليارات، وفي رأي معظم الاقتصاديين، من غير المرجح أن تقدم الكثير من المنافع في المستقبل القريب.

يقول روبرت سبرنجبورج، خبير الشؤون العسكرية وأستاذ زائر في جامعة هارفارد، “السيسي يعتقد، مثل جميع الرجال العسكريين، أن الاقتصاد هو عبارة عن مجموعة من المشاريع التي يديرها الجيش”.
لا أحد في القاهرة يبدو أنه يعرف من يقوم بتوجيه السياسة الاقتصادية. في أغسطس، قدمت حكومة السيسي طلب الحصول على قرض صندوق النقد الدولي. وقبلت الحكومة المصرية شروط صارمة للصندوق. تم تخفيض قيمة الجنيه، والحد من دعم الطاقة، وإدخال ضريبة القيمة المضافة – مزيج وحشي في اقتصاد يحتوي بالفعل على معدل تضخم أكثر من 15%.
يرى الدبلوماسي الأوروبي أن الأمريكيين يعطون لمصر مليار ونصف سنويا مساعدات عسكرية، ولم يحصلون على شيء في المقابل. كما أعطى الإماراتيون والسعوديين 30 مليار دولار في عامين ولم يحصلوا على أي شيء لذلك.
لكن جميع هذه البلدان في الواقع تلقت بالضبط ما دفعت لأجله. هم لم يدفعوا من أجل تغيير اجتماعي واقتصادي حقيقي في مصر، لقد كان الدافع دائما للمساعدات هو التعريفات الضيقة للاستقرار: الولايات المتحدة تريد السلام بين مصر وإسرائيل ودول الخليج تريد التوازن بين الدول الشيعية والسنية.
السيسي كرجل عسكري يرى العالم من منظور دفاعي. لكن الاستقرار السياسي على المدى الطويل يتطلب التغيير الاقتصادي والاجتماعي الفوري. يقول رجل أعمال أجنبي “إذا بلد تعتمد على السيسي كمقدم للاستقرار.. هو فشل باستمرار في خلق فرص عمل للشباب المصري، أي نوع من الاستقرار يقولون انه سيقدمه؟”
على الرغم من كل المشاكل في البلاد، إمكانية الانهيار التام لا تزال بعيدة. على عكس سوريا والعراق، مصر لديها شعور قوي للوحدة. بعد كل شيء، إنها أقدم دولة على الأرض. وحقيقة أن الإسلام الراديكالي ليس له جاذبية كبيرة عند المصريين اليوم، على الرغم من كل الذي أصابهم، هي عامل إيجابي آخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: