المنوعات

خطاب ترامب وإعلان الرياض..

في كلمته التي ألقاها أمام وفود الدول الخليجية والعربية والإسلامية في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وضع الرئيس الأمريكي ترامب، أسسا لما أُطلِق عليه “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي” والذي جاء الإعلان النهائي للقمة جامعا لصياغته واتجاهه، اتجاه عام لم يتضح بعد مفاعيله التنفيذية على الأرض، ومن ثم بدا أن القمة نفسها لم تحمل جديدا سوى سحب 450 مليار دولار من خزائن المملكة لاستثمارها في الولايات المتحدة، مما يحقق وعود ترامب الانتخابية حين أعلن لناخبيه أن الخليج العربي سيدفع الأموال مقابل إنهاء أمريكا للفوضى التي خلفتها داعش في الشرق الأوسط ثم الانطلاق لتحجيم إيران، فضلا عن الاستفادة الاقتصادية الهائلة من أموال الخليج لدعم الاقتصاد الأمريكي وتجاوز أزمته المتجددة.

تجديد بِنيْة التبعية

مع تحيته إلى الملك سلمان، وجّه ترامب التحية إلى ذكرى الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة، مشبّها قمة الرياض باتفاق “كوينسي” بين عبد العزيز وفرانكلين روزفلت، في إطار العلاقات التاريخية الوثيقة بين المملكة والولايات المتحدة، التي تم تعميقها ونقلها إلى مرتبة “العلاقة العضوية” في الاتفاق الذي شهده متن السفينة الأمريكية “كوينسي” في البحيرات المرة بمصر قرب قناة السويس. لقاء هام وتاريخي تم في إطار ترتيب الوضع العالمي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازي، وكان لاحقا لمؤتمر يالطا الذي بحثت فيه القوى الكبرى (أمريكا وانجلترا والسوفييت) تقسيم ألمانيا واقتسام النفوذ في أوروبا بعد انتهاء الحرب، وفيه اتفق الطرفان على أن توفر الولايات المتحدة الحماية للحكم العائلي القَبَلي لآل سعود لمدة 60عاما قابلةً للتجديد مقابل إمداد آل سعود لها باحتياجاتها من الطاقة أي النفط، وتم تجديده بالفعل على عهد جورج بوش الابن، وتتمثل تاريخية هذا الاتفاق في أنه كان الإعلان الرسمي عن دعم أمريكا وضمانتها للمملكة بأن تصبح “القوة الإقليمية” الرسمية التي تمثل المصالح الأمريكية في المنطقة.

إيران.. إدفَعْ

كرجل أعمال وتجارة وملياردير بارز ومضارب كبير في سوق العقارات الأمريكي العملاق، اتهم ترامب إيران في حديثه عن “الإرهاب” أكثر مما أدان داعش خلال كلمته، فبينما جاء حديثه عن داعش بلغة شاعرية وجدانية تدين فظائعها وتنفي عنها الارتباط بالإسلام، الذي قال ترامب من قبل صراحةً أمام جموع غفيرة من الأمريكيين أنه مُدان في ذاته، قال إن إيران هي “مصدر الإرهاب الأول والأكبر” ومن يوفر للإرهاب الغطاء المالي والموانئ البحرية والتجنيد، مقرنا ذلك بوضوح بأنها تؤمن بـ”فناء إسرائيل والموت لأمريكا”، وقامت الفضائيات العربية بتجاهل ترجمة تلك الجملة وحدها من كلمة ترامب، بالطبع يعلم ترامب – كما يعلم العالم أجمع – أن من وفّر كل ما سبق لداعش وباقي فصائل الإرهاب هي الدول الخليجية ورجال أعمالها وتركيا، لكنه آثر ترك هذا الأمر لمكتب مكافحة تمويل الإرهاب الذي تمخضت القمة عن تشكيله ومقره الرياض، ووضَع إيران وحزب الله مباشرةً كعدوين رئيسيين لتلك القمة والمشاركين فيها، وفي ظل إدراك ترامب أن هوس السعودية بالتسليح يرجع إلى هواجسها تجاه إيران وحلفائها، ومع المليارات التي تم سحبها أمريكيا من المملكة تحت غطاء الأمن والتسليح.

وضع ترامب في كلمته معادلة “بيزنس” عملية بسيطة: أمريكا تحارب داعش بالفعل وأنتم أيضا، اجتماعنا هذا سيكون ضد من تظنون أنه يمثل خطرا وجوديا عليكم أكثر من داعش التي لن نناقش الآن كيف تكوّنت هي بالذات ومن أين، أموال السعودية ليست هباءً وإنما لنساعدكم في مواجهة الغول الإيراني الشرير.

الجدير بالذكر أن ترامب خلال حملته الانتخابية كان قد أعلن بالصوت والصورة أمام الشعب الأمريكي أن داعش منتَج سعودي ماليا وفكريا، لكنه وفقا لمقتضيات الموقف ومخاطبةً للعقلية السعودية لسحب الأموال من خزينتها قام بتغيير النغمة، وكرجل أعمال براجماتي لم يخسر شيئا في إطار صفقة كهذه سوى أنه قال كلمتين متعارضتين تفصل بينهما بضعة أشهر، في مقابل مكاسب مالية ضخمة كفيلة بتدوير وتشغيل مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي، وتطوير وتدعيم البنية التحتية الأمريكية التي خصص ترامب قطاعا من التعاقدات السعودية للاستثمار فيها.

تشجيع على الحرب دون قوات أمريكية

في ظل أن “إيران هي الإرهاب” وفقا لاتجاه ترامب وأتباعه في القمة، قال ترامب صراحةً إن على المجتمعين تنفيذ “دورهم” في التحالف الجديد – القديم بأنفسهم، وإن أمريكا لن تحارب معركتهم بالنيابة عنهم، ومن ثم لا يمكن فهم التشجيع الأمريكي على معاداة الحضور لإيران إلا بصفته محاربة بالنيابة عن الطرف الأمريكي، فرجل الأعمال الذي لا يخسر ليس مستعدا لتكرار مأساة الخسائر الأمريكية في العراق وأهوال التدخلات البرية الكبيرة، ومعادلة “البيزنس” سابقة الذكر تقتضي الوضوح منذ اللحظة الأولى، فما هو دور هؤلاء في مرحلة ما بعد إجراءات إعلان التحالف – الصفقة، وما هو الدور الأمريكي الذي لن يكون مباشرا ولن يتعدى ما قرره ترامب مسبقا وذهب به إلى الرياض لفرضه دون استعداد للتفاوض حوله؟

أجاب إعلان الرياض، أي البيان الختامي للقمة، عن هذه الأسئلة إلى حد ما.. سيتم تشكيل قوة احتياطية من بعض الدول الإسلامية المشاركة قوامها 34 ألف جندي لدعم العمليات ضد المنظمات الإرهابية في العراق وسوريا “عند الحاجة” وفقا لنص البيان، دون تحديد تلك “المنظمات الإرهابية” ودون تحديد ماهية تلك الحاجة التي قد تستدعي تدخل تلك القوات في دولتين عربيتين تدّعي القمة أنها تدافع عن سيادتهما، في ظل ثناء ترامب خلال كلمته على قرار السعودية السابق باعتبار حزب الله منظمة إرهابية، وبالإضافة إلى تدشين أول عقوبات اقتصادية وقانونية مشتركة من البلدين (أمريكا والسعودية) في التاريخ ضد رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله قبل القمة بساعات، وتصنيفه إرهابيا بصفته الحزبية.

ويمكن القول إن تلك القوة المشتركة سيتم تسليحها أمريكيا وهذا دور أمريكي، بأموال سعودية وهذا دور سعودي، إذ عليها أن تدفع ثمن السلاح لمواجهة بعبع إيران، وبجنود يتم استقدامهم من الدول المشاركة في القوات وهذا دور الآخرين، ثم انتظار – أو خلق – اللحظة المناسبة، التي هي “عند الحاجة” وفقا لنص الإعلان، لمواجهة “المنظمات الإرهابية” التي يمتد تعريفها وفقا لأفكار المشاركين بالقمة ليشمل الحشد الشعبي العراقي في العراق وحزب الله في سوريا، وغيرهما من قوى يمكن بسهولة إدراجها على اللائحة الأمريكية الإسلامية الجديدة.

على أي حال قال الإعلان إن تلك القوة المشتركة سيتم استكمالها عام 2018، في إشارة إلى إعطاء محور المقاومة ومكوّناته ما يشبه “الفرصة” لتحجيم حضوره أو سحب قوى له من مربعات جغرافية بعينها لا ترضى أمريكا والسعودية عن تواجده فيها، خاصةً وقد جاءت القمة بموازاة محاربة الجيش العربي السوري وحلفائه، في البادية السورية على الحدود مع العراق، لمنظمات مصنوعة أمريكيا (جيش مغاوير الثورة وجيش أسود الشرقية وجيش سوريا الجديد)، وأخرى مصنوعة سعوديا وخليجيا (فيلق الرحمن والجبهة الجنوبية وجبهة الأصالة والتنمية).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: