المنوعات

روحاني رئيسًا لإيران لعهدة ثانية..

لم يكن فوز حسن روحاني مفاجئًا، حيث تصدر اسمه استطلاعات الرأي قبل يوم الانتخابات، لكن الأمر المفاجئ إلى حد كبير كثافة المشاركة التي تجاوزت نسبتها 70% من إجمالي من لهم الحق في التصويت، وهي نسبة غالبًا لا تشهدها انتخابات أعرق الدول الديمقراطية في أوروبا والولايات المتحدة، وجاءت كتعبير عملي من الشعب الإيراني عن قبوله بالمنظومة السياسية العامة في البلاد، بقواعدها ومحدداتها والاستقطابات والخلافات التي تحتويها تلك المنظومة وتديرها.

سيكون من الصعب أن يتحدث أعداء إيران عن استبدادية نظام شهد معركة سياسية بهذه الحيوية والتنافسية الحادة، وفاز على إثرها مرشح يُجمع أغلب المراقبين والمقربين من النظام في الداخل الإيراني أنه لم يكن من تمني المرشد الأعلى للجمهورية له النجاح.

«لقد رأيت اليوم أطول الطوابير التي لم أشهدها منذ 15 عامًا خلال إقامتي في طهران»، هكذا قال مراسل جريدة نيويورك تايمز في العاصمة عن اليوم المشهود الذي شمل تمديد فترة الاقتراع ثلاثة مرات نظرًا لكثافة المشاركة، وبلغ عدد الأصوات المشاركة 40 مليون صوت، أي نصف تعداد الشعب ونحو ثلاثة أرباع من لهم حق التصويت.

كيف نقرأ النتيجة؟

بصرف النظر عن هامش الخطأ النسبي المعتاد في أي استطلاع انتخابي، تصدر روحاني قبل الاقتراع استطلاعات الرأي بنسبة 42% وجاء باقر قاليباف في المركز الثالث بنسبة 24%، فذهب المحافظون إلى الخيار المنطقي لتجميع أصواتهم بضم أصوات قاليباف إلى إبراهيم رئيسي، الحاصل على المركز الثاني استطلاعيًّا بنسبة 26 %، نظريًّا افتُرض بتلك المعادلة أن تؤدي إما إلى تقارب كبير في النسب بين روحاني ورئيسي، حيث لا يبلغ أحدهم أكثر من 50% من الأصوات ومن ثم يذهبان إلى الإعادة، أو فوز رئيسي من الجولة الأولى بجمع أصواته وأصوات زميله قاليباف، مرشح نفس الجبهة، لكن ما انتهى إليه الأمر هو فوز روحاني بنسبة تتجاوز 55%، فماذا حدث؟

أصوات باقر قاليباف

يحظى محمد باقر قاليباف، أحد رموز الأصوليين وعمدة طهران، بشعبية كبيرة يدعمها منصبه في المدينة الضخمة ذات الكثافة السكانية الأعلى في البلاد، ويميزها تكتل الإصلاحيين في المدينة ذاتها، بالإضافة إلى خطابه الحاسم اجتماعيًّا حول تحكم 4% من الناس في ثروات البلاد، وهم النافذون اقتصاديًّا وماليًّا، في مقابل 96% من متوسطي الحال والفقراء والمهمشين.

أعاد قاليباف إلى الأذهان نموذج محمود أحمدي نجاد، الذي كان في المنصب ذاته وعمل بالخطاب الاجتماعي ذاته، اعتمادًا على القوى والتكتلات الاجتماعية التي يمثل هذا الخطاب مصالحها، وحقق وقت فوزه مفاجأة مدوية، لكن يبدو أن تبني إبراهيم رئيسي صيحة زميله عن «الـ4%» لم يكن كافيًا لتذهب كل الأصوات الداعمة لقاليباف إلى رئيسي، وإلَّا لحصل الأخير على أصوات أكثر مما حصل عليه «15 مليون صوت».

قد يكون قطاع من الكتلة التصويتية للأصوليين ولا سيما داخل طهران، ذات التعداد السكاني الذي يتجاوز 13 مليون نسمة، قد عزف عن إعطاء الصوت لرئيسي؛ لأنه ببساطة لا يمثلهم بقدر ما يفعل قاليباف، ولا يعني ذلك بالتأكيد أن هذا القطاع قد أعطى أصواته لروحاني.

المترددون الرماديون

كثيرًا ما حسمت الكتلة الرمادية، أي الأصوات غير المحسوبة على أحد التيارين الرئيسيين، الأصولي والإصلاحي، المواقف الانتخابية المعقدة في إيران، ولطالما لعبت دورًا في ترجيح موقف أحد المرشحَيْن للرئاسة حال تقارب النسب واحتياج أحدهم إلى أصوات تعبر به حاجز الـ50% الكفيل بتحقيق الفوز من الجولة الأولى، بفوز روحاني بنسبة «غير مريحة» أي أعلى من هذا الحاجز بـ5% فقط.

يبدو أن تلك الكتلة التي عادةً ما تحسم أمرها في اللحظات الأخيرة قد ذهب أغلبها، وليست كلها، نحو التجديد لروحاني، ولا سيما مع النفوذ الكبير الذي يتمتع به الإصلاحيون في العديد من المدن الإيرانية المركزية والكبرى ذات الكثافة السكانية العالية، واعتماد رئيسي على أفكار ذات طابع جذري قد يناسب الشرائح الأكثر اهتمامًا بالسياسة وارتباطًا بالفاعلية المباشرة للانخراط فيها، أو الشرائح التي تحقق تلك الأفكار مصالحها، ويبدو أن حجم هذه الكتلة في تلك الانتخابات بالذات كان أكبر من توقعات الجميع ومثّلت قطاعًا كبيرًا وفارقًا من الأصوات.

 الطبقة الوسطى «المثقفة» في المدن

تمثل المدن الكبيرة المركزية نحو ثلثي أصوات الناس في البلاد، حيث ترتكز تكتلات الطبقة الوسطى الإيرانية الحاضنة جماهيريًّا بشكل عام للتيار الإصلاحي، في حين اعتمد إبراهيم رئيسي أكثر على أصوات الشريحة الأدنى من تلك الطبقة، بالإضافة إلى الطبقات الأفقر من مهمّشي وكادحي الريف والمدن.

ويعبر فوز روحاني عن نجاحه في تكثيف وتجميع الكتلة التصويتية الطبقية له عند الطبقة الوسطى «المثقفة المستنيرة» التي يفزعها رئيسي بنزعته المحافظة الدينية وأفكاره عن إعادة توزيع الثروة في المجتمع، وفي ظل ما رأينا من كثافة المشاركة العامة، من الواضح أن تلك الكتلة قد شاركت كاملة وإلى أقصى مدى ممكن لإنقاذ روحاني، وأن الأخير قد نجح في اعتماده على الكثافة السكانية العالية للمدن الحَضَرية الكبرى وحضوره ونفوذ تياره الإصلاحي فيها، مع نجاحه في استغلال النزعة المحافظة لدى رئيسي من أجل جذب المزيد من الأصوات لنفسه، الأمر الذي اتضح في تركيزه على تلك النقطة خلال فترة الحملات الانتخابية في مقابل تركيز رئيسي على قضايا الاقتصاد ومواجهة الفساد.

بفوز روحاني نستطيع القول إن عموم الطبقة الوسطى ـ وليس كلها بطبيعة الحال ـ قد جددت الثقة في خيار اقتصادي يراهن على الاستثمار الأجنبي، لا التركيز على الإنتاج الداخلي ونمط الاقتصاد المقاوم، ويكمل ذلك بقاء سؤال الحريات الشخصية حاضرًا في المشهد، رغم انحساره في تلك الانتخابات مقارنةً بالتي سبقتها، ورغم تفوق رئيسي على روحاني في إحدى المناظرات، حين اتهمه الأخير بالرجعية والسعي إلى إضعاف دور المرأة، فقال رئيسي عن نفسه، إن زوجته حاصلة على درجة الدكتوراة وتعمل في التدريس الجامعي، في حين أن زوجة روحاني حاصلة على الشهادة الثانوية ولا تعمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: