موت الأحزاب السياسية اليوم..

المتتبع للانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة وما عرفته من هزيمة مدوية للأحزاب التقليدية التي ظلت تسيطر على المشهد السياسي الفرنسي منذ عقود، في مقابل ظهور حركة جديدة بقيادة وجه سياسي شبابي لم يكن معروفا على الساحة السياسية قبل شهور قليلة، هذه الحركة التي استطاعت تكسير النمط التقليدي القاضي بحصر الصراع السياسي بين أحزاب اليمين واليسار.

“حركة فرنسا إلى الأمام” فازت بالرئاسيات الفرنسية واستولت على البرلمان الفرنسي  وهي لا تزال في المهد بدون هياكل حزبية ولا ماضي سياسي أو مواقف سياسية قد تحسب لها، عكس باقي الأحزاب التي شاركت في التسيير تارة وفي التأطير من موقع المعارضة تارة أخرى، وهذا إنما يدل عن عدم قدرة هذه الأحزاب التقليدية على تطوير خطابها الجماهيري وبرامجها السياسية وعدم الجواب على تساؤلات المواطن الفرنسي خاصة والأوروبي عامة مما جعل الصراع يقتصر على حزبين بخصائص معينة وهما الجبهة الوطنية بزعامة “لوبين الإبنة” ذات التوجه اليميني المتطرف، وحركة فرنسا إلى الامام بزعامة الشاب ماكرون ذو التوجه الليبيرالي المنفتح على السوق العالمية والتطور التكنولوجي  المدعوم من قبل أصحاب رؤوس الأموال العالميين والفرنسيين.

الحديث عن الانتخابات الفرنسية الأخيرة ليس هو صلب الموضوع ولكن أعتبره بمثابة استفزاز للمشهد السياسي الجزائري و العربي خصوصا الحزبي الذي يعرف اليوم نوعا من العلاقة المبتورة مع الجماهير الشعبية، إن لم نقل أصبحنا نعيش قطيعة بين الطرفين وذلك لعدة أسباب منها ما هو ذاتي حزبي ومنها ما له علاقة بالمنظومة الحزبية ونشأتها وعدم القدرة على مواكبة الذكاء الجماهيري وكذا التطور التيكنولوجي الرقمي الكبير الذي زلزل كيان الاحزاب السياسية اليوم، حيث أصبحت مواقع التواصل  الاجتماعي  ملاذا للمواطن للتعبير عن مطالبه الاجتماعية والإقتصادية مما أدى إلى ظهور التنسيقيات المحلية كبديل عن الأحزاب السياسية وكمؤسسات وسائطية بين المحكومين والحاكمين لتبقى هذه الأحزاب محاصرة في زاوية المؤسسة البرلمانية والحكومة لا غير وفي نفس الوقت اصبحت الاحزاب السياسية لا تعبر ولا تمثل مطالب الشعب.

.اليوم، يبدو أن بعض الأحزاب السياسية -التي كانت عظيمة ذات يوم في الغرب وبعض الدول الناشئة- تسلك أيضا مسارا سريعا إلى عالَم النسيان. ولكن في حين كان زوال الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي منطقيا تماما، إذ جاء القرار الذي اتخذه يلتسين قبل بضعة أشهر فقط من انهيار الاتحاد السوفياتي؛ فإن تفسير انحدار الأحزاب السياسية الكبرى في دول مثل فرنسا والهند ليس بهذه السهولة.

ففي فرنسا، نجح الرئيس إيمانويل ماكرون للتو في تأمين أغلبية كبيرة في الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح حركته التي لا يزيد عمرها على عام واحد، وبذلك يرسل ظاهريا الحزب الاشتراكي -الذي كان ماكرون ذاته منتميا إليه عندما شغل منصب وزير الاقتصاد- إلى مزبلة تروتسكي للتاريخ. أما الحزب الرئيسي الكبير الآخر في فرنسا (حزب الجمهوريين الذي ينتمي إلى يسار الوسط) فلا يبدو أن حاله كانت أفضل كثيرا.

“يبدو أن بعض الأحزاب السياسية -التي كانت عظيمة ذات يوم في الغرب وبعض الدول الناشئة- تسلك مسارا سريعا إلى عالَم النسيان. وفي حين كان زوال الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي منطقيا تماما، إذ جاء القرار الذي اتخذه يلتسين قبل بضعة أشهر فقط من انهيار الاتحاد السوفياتي؛ فإن تفسير انحدار الأحزاب السياسية الكبرى في دول مثل فرنسا والهند ليس بهذه السهولة”

وحتى وقت قريب، بدا الأمر وكأن حزب العمال في المملكة المتحدة -بزعامة اليساري المتطرف جيرمي كوربن- أصبح هو أيضا على حافة الانقراض. ولكنه مُنِح شيئا من الإرجاء والمهلة، بفضل عجز رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي الفاضح في الحملة الانتخابية البرلمانية الأخيرة. ولكن من غير المؤكد على الإطلاق ما إن كان كوربن قادرا بالفعل على توحيد وإحياء حزبه.

في العالم النامي، تشهد الهند تراجعا ملحوظا لحزب المؤتمر الوطني الهندي، حزب أول رئيس وزراء للبلاد جواهر لال نهرو، الذي قاد البلاد إلى الاستقلال عن المملكة المتحدة.

ففي ظل القيادة الأسرية الضعيفة من جانب سونيا غاندي (أرملة رئيس الوزراء المغتال راجيف غاندي، حفيد نهرو ونجل رئيسة الوزراء أنديرا غاندي) وولدها راؤول، يبدو حزب المؤتمر الوطني الآن غير قادر حتى على الحفاظ على المقاعد في معاقله التاريخية، مثل أوتار براديش. ويبدو أن خصمه الرئيسي حزب بهاراتيا جاناتا ضمن بالفعل انتخابات 2019 البرلمانية.

وفي جنوب أفريقيا، يواجه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي -وهو حزب آخر كبير ساعد في التحرر الوطني وإسقاط نظام الفصل العنصري- انحدارا مماثلا. فبعد ثمانية عشر عاما فقط من ترك نيلسون مانديلا الرئاسة، يتهاوى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي تحت وطأة الزعامة الفاسدة الهدّامة للرئيس جاكوب زوما. وربما يحدث انقسام رسمي بين الفصائل المتناحرة الساخطة، عندما يختار حزب المؤتمر الوطني الأفريقي زعيما جديدا في وقت لاحق من هذا العام.

بطبيعة الحال، زالت أحزاب سياسية كبرى من قبل. ففي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان الحزب الليبرالي -وليس حزب العمال- هو المنافس الرئيسي للمحافظين في المملكة المتحدة، وكان الحزب مزدهرا تحت قيادة شخصيات مثل ويليام غلادستون وديفد لويد جورج.

غير أن هذا انتهى قبل بضع سنوات من اندلاع الحرب العالمية الأولى، كما وصف ذلك الصحفي البريطاني جورج دانغرفيلد -الذي تحول إلى مؤرخ- في كتابه “موت إنجلترا الليبرالية الغريب”.

ففي إيطاليا، شهدت الأحزاب السياسية في فترة ما بعد الحرب (الديمقراطيون المسيحيون، والشيوعيون، والاشتراكيون) شيئا من الانقراض الجماعي، بعد فضيحة الفساد التي اندلعت في عام 1992. وفي العام التالي، مُحي حزب المحافظين في كندا عمليا في انتخابات برلمانية، حيث خسر كل مقاعده (151 مقعدا) باستثناء مقعدين.

هناك العديد من التفسيرات لسقوط الأحزاب السياسية؛ فقد أسهم انتقال الناخبين من أبناء الطبقة العاملة إلى الطبقة المتوسطة في سقوط الأحزاب الشيوعية بأوروبا الغربية، بقدر ما أسهم فشل النظام السوفياتي في ذلك.

وعلى نطاق أوسع، في الدول التي تضم حكوماتها الائتلافية أحزابا تتبنى إيديولوجيات متماثلة، ربما يكون من السهل على الناخبين أن يحولوا ولاءاتهم. ويصدق هذا بشكل خاص في أيامنا هذه، حيث ينظر الناخبون على نحو متزايد إلى الأحزاب باعتبارها ماركات يمكن استبدالها إذا فشلت في مواكبة أذواق المستهلك، بدلا من كونها نقاط تركيز للولاء القَبَلي الحصين.

“هناك العديد من التفسيرات لسقوط الأحزاب السياسية. فقد أسهم انتقال الناخبين من أبناء الطبقة العاملة إلى الطبقة المتوسطة في سقوط الأحزاب الشيوعية بأوروبا الغربية، بقدر ما أسهم فشل النظام السوفياتي في ذلك. وعلى نطاق أوسع، في الدول التي تضم حكوماتها الائتلافية أحزابا تتبنى إيديولوجيات متماثلة، ربما يكون من السهل على الناخبين أن يحولوا ولاءاتهم”

وعلاوة على ذلك، أصبح الناخبون اليوم أكثر ميلا إلى التركيز على سياسة واحدة رئيسية أو سياستين، بدلا من التركيز على برنامج الحزب بأكمله. وهذا الفِكر هو الذي سمح بازدهار أحزاب تتبنى قضية واحدة، مثل حزب استقلال المملكة المتحدة الذي يركز على الهجرة.

ويبدو أن الاستخدام المتزايد للاستفتاءات في ديمقراطيات العالَم المتقدمة كان نتيجة مباشرة للتحول نحو السياسات الموجهة نحو المستهلك. والمشكلة هي أن الاستفتاءات تقوض المساءلة، كما تعمل على تمكين قرارات غير مدروسة تقوم على أسئلة مبسطة، كما كانت الحال مع التصويت العقيم لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة.

ففي مثل هذه المواقف -كما قال الكاتب المسرحي (الألماني) بيرتولت بريخت ساخرا ذات يوم- يُصبِح البديل الوحيد هو “حل الشعب وانتخاب شعب آخر”. ولكن في حين يقطع التصويت المكتسي بصبغة الفِكر الاستهلاكي بعض الطريق نحو تفسير زوال أحزاب مثل الاشتراكيين في فرنسا، فإنه لا يفسر انحدار حزب المؤتمر الوطني الهندي وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي. ويبدو أن مشكلة مثل هذه الأحزاب متأصلة في الغطرسة.

في حالة حزب المؤتمر الوطني الهندي، كانت هذه الغطرسة موروثة إلى حد كبير. فمن نهرو إلى أنديرا وراجيف غاندي إلى الوجه العاجز الحالي للحزب راؤول؛ كانت أسرة غاندي تنظر إلى الزعامة والسيطرة على حزب المؤتمر كحق موروث لا يمكن إلغاؤه، بصرف النظر عن المهارة الفردية أو المؤهلات الفعلية.

أما عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، فيبدو أن الغطرسة كانت أقرب إلى تلك التي رأيناها من الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي: شعور غالب بامتلاك الدولة، وهو ما يجعل الفساد يبدو أشبه بشكل من أشكال الاستحقاق الانتخابي. ويفصِل مثل هذا النوع من الغطرسة الحزب عن مؤيديه الحقيقيين، الذين يجدون بعد ذلك أنه من الأسهل أن يبحثوا عن بديل أكثر صلاحية.

أما الاحزاب عندنا في الجزائر فقد  ظلت حبيسة منطق الزعيم أو العائلة التي حولت أغلبية الأحزاب لمقاولات عائلية يراد منها الإستفادة من الغنائم في صراعها مع النظام القائم في الجزائر، حيث لم تستطع هذه الأحزاب تطوير بنيتها الداخلية عبر إنتاج هيكلة تعتمد الديمقراطية الداخلية كطريقة لتداول النخب بشكل سلس، إذ أحكمت العديد من الشخصيات قبضتها على قيادة هذه الأحزاب ولعقود من الزمن وبشكل ديكتاتوري حيث نجد زعماء على كرسي الزعامة لمدة تتجاوز العشرين سنة إن لم نقل الثلاثين ولا يتخلون عن الكرسي إلا بتدخل من ملك الموت، كما يلاحظ تغييب كامل وتام للهيكلة على المستوى المحلي لتبقى الهيكلة الوطنية كديكور لضمان استمرارية الزعيم وحاشيته، هذا ما جعل من أغلبية الأحزاب تعيش شيخوخة كبيرة في قياداتها أثرت بشكل كبير على علاقاتها بقواعدها إذ عرفت السنين الأخيرة نفورا للنخب من هذه الأحزاب مع ظهور جيل من التطرف على جميع المستويات سواء الديني أو الهوياتي أو المطلبي لم تستطع المنظومة الحزبية باعتبارها مؤسسات وسائطية أن تحتويه رغم الدعم والإمكانيات التي توفرها لها الدولة مما يجعلنا نطرح تساؤلنا حول ما إذا انتهت صلاحية هذه الأحزاب؟ وهل أصبحنا في حاجة لحركة أو حزب سياسي جديد قادرين على خلق زلزال سياسي في المشهد السياسي الجزائري  وإعادة الإعتبار للمؤسسة الحزبية بالجزائر؟؟

ولكن الموت في عالَم السياسة ليس دائما بالضرورة. فمثلا، حَكَم الحزب الثوري المؤسسي المكسيك طوال 71 عاما، قبل أن تلحق به الهزيمة عام 2000. في ذلك الوقت، كان المفترض أن الحزب الثوري المؤسسي لن يعود إلى السلطة أبدا. ولكنه رغم ذلك عاد بحلول 2012 بانتخاب الرئيس الحالي إنريكي بينيا نييتو.

وربما يكون هذا الاحتمال هو السبب وراء عدم اكتراث أسرة غاندي وزوما بانحلال حزبيهما. ولكن السؤال الآن هو ما إن كان أي شيء يعود من بين الأموات قادرا على العودة إلى ما كان عليه في سابق عهده.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: