ثقافة و فن

مَنْ يتذكّر المركزَ الوطنيَّ للدّبْلَجَة بوهْران؟!

وأنا أتأمل مشهد علاقة وهران بالسينما، وما حققته ظاهرة المسلسلات والأفلام التركية المدبلجة من حضور، تطير بي أجنحة الأيام، أنا التي ترعرعت بين مفاصل شارع وهراني، تتربع عليه وحده أربعُ قاعات سينما، أيام كان بها مجرد المرور بقرب قاعات السينما، بواجهاتها المضاءة، والمزينة بآفيشات الأفلام، يعطيك الإحساس بالتحليق، والفرح، وشيء آخر يشبه الحلم . وعلى الرغم من انطفاء ضوء قاعات وهران للسينما، ظل ضوءٌ ما ينير في صدور الوهرانيين المحبين للفن، ويوقظ شغفهم بفن السينما الذي انتقل إلى الشاشة الصغيرة . الوهرانيون يذكرون ذلك اليوم الذي خلَتْ فيه شوارع المدينة تماما من المارة، والسيارات، والنَّاس، والحركة . كانت وهران بصغارها، وكبارها، بمعربيها، ومفرنسيها، وأمازيغييها، تتفرج على الفيلم الهندي "جانيتو" الشهير على شاشة قناة التلفزيون الجزائري الوحيدة، وذلك للمرة الثانية وبطلب من المشاهدين. ويذكر الوهرانيون حتما وأيضا الأوقات السحرية خلال عرض المسلسل المكسيكي المدبلج "كاساندرا"، والمسلسل "مهما كان الثمن" المدبلج كذلك إلى الفصحى، وكم كان لقصة أليخاندرو وأنا كريستينا من شغف جميل وغواية لدى الوهرانيين كغيرهم في البلاد كلها، شغف لا تستطيع التقنيات السينمائية وحدها أن تفسره، ولا يستطيعه سحر الشخصيات، ولا وسامة البطلين، أو الوجوه ،أو قوة تمثيل الأدوار، أو الإخراج، أو الإضاءة، أو زوايا التصوير، أو الأمكنة، أو الألبسة، أو غير ذلك. إنه شيء آخر في تركيبة الإنسان الذي يتعلق بالحلم، حتى وهو يدرك مسبقا أنه مجرد وهم . طيلة وقت بث حلقات المسلسل، كانت وهران تتوقف عن الحركة، وربما عن الكلام. قلب وهران الكبير يدق على إيقاع واحد وسط النهار. حتى المؤسسات وجدت نفسها في حرج مع عمالها وحرج منهم. صديقتي حورية أستاذة في ثانوية معروفة، كانت تتذمر لأنها لا تستطيع مشاهدة الحلقة، وتتذمّر أيضا من تأخر تلميذاتها اللواتي يصلن بعد انتهاء بث المسلسل، وحين ذهبتْ حورية رفقة بقية الأساتذة لإعلام المدير، قرر وبمرونة غير معتادة منه ،أن يعدل توقيت الالتحاق بالثانوية ويؤجله بنصف ساعة، لا بد أنه أيضا تشربتْه الظاهرةُ ،وهو نفسه مأخوذ بالمسلسل المدبلج، ويريد أن يعرف بقية الحكاية دون تأجيل، لأن آنذاك لم يكن نظام الإعادة أو التسجيل الفوري قد وصل إلينا بعد. في غياب قاعات السينما، وما أصبحت عليه قاعات وهران الجميلة من ظلمة، ولأن الطبيعة لا تحب الفراغ، تعلق الوهرانيون بالأفلام والمسلسلات المدبلجة، وقد تفطن لذلك مبكرا كوكبة من شباب وهران من الفنانين. شباب أذكياء، ونشيطون، ومليئون بالأحلام، والآمال، وعشق الفن، يذْكرهم بحب وتقدير قلبُ وهران الكبير :علياوي، بلكدروسي، شامخ، حويدق، زكرياء، سيراط... و لعل أكثرهم جنونَ حلمٍ هو المرحوم بختي إدريس الذي خطفته المنية مبكرا، يبهر الجميع بقدراته على الإبداع والخلق في عالم الصورة، والعرائس المتحركة، وقد تفطن مبكرا إلى قيمة الدبلجة وقوتها وسحرها وارتداداتها المستقبلية ثقافيا واقتصاديا. فكان لمحطة وهران السبق التاريخي في الدبلجة في مجال السمعي البصري، بمسطرة مديرها آنذاك الأستاذ أمير عبد المجيد وبعده الأستاذ نور الدين عدناني و قبلهما معا الأستاذ عبد الإله ميسوم، فتكونت خلايا عمل متعددة، ومختلفة بالمحطة الجهوية للإذاعة والتلفزيون بوهران، وكنتُ من خلال تجربتي الشخصية أشارك وأنا طالبة في دبلجة الروبورتاجات و الأفلام القصيرة ذات الطابع التثقيفي. كبُر الحلم وبدأ الحديثُ الرسميّ عن التأسيس لأول مركز وطني للدبلجة السينمائية بوهران و في العالم العربي. وبدأ الحلم الكبير . ! الآن، وأنا أتابع هذا التسونامي الجميل من المسلسلات والأفلام المدبلجة، وهي تحمل أسماء وعناوين ودَمْغاتٍ لمراكز الدبلجة في بعض بلدان الوطن العربي، ودول الخليج التي تأسست حديثا نسبيا، أي بعد زمن طويل من بداية الدعوة لمشروع المركز الوطني للدبلجة بوهران. وأنا أتابع دون عين حسدٍ، بل بالعكس بغبطة وارتياح، إلا أن في القلب وبصدق، تتحرك غيرةٌ على وهران ومنها على الجزائر. لو أن حلم بختي إدريس ورفقائه تحقق، لكانت مدينة وهران الآن، تشكل بلا منازع ولا منافس، مركز العالم العربي و المغاربي في دبلجة الأفلام والمسلسلات، وربما كان المشروع قد تطور أكثر، وتوسع، فشمل بقية شؤون السينما، التقنية منها واللوجيستيكية، لتصبح وهران "هوليوود" العالم العربي والإفريقي ، وربما كانت قد شُيِّدتْ للغرض بناياتٌ عظيمةٌ، و وربما اسْتُحْدِثتْ قرى سينمائية عديدة حول المدينة، وربما كانت وهران قد اكتشفتْ العشرات بل المئات من النجوم من أبنائها وأبناء الجزائر الموهوبين يدهشون العالم، فلا تموت جذوة الموهبة فيهم دون أمل. وربما صارت وهران ومن خلالها الجزائر قِبلة للمنتجين، والمخرجين، والمصورين، والفنانين العالمين والعرب، منها يستمدون شهرتهم ثم ينطلقون. ربما... لكن حلم وهران بذلك، خَبَا مبكرا، مثلما ودعها ابنها الفنان والمنتج بختي إدريس. ولكن الجميل في مصباح الحلم، أنه يظل معلقا دائما على الرصيف، يبدو نائما، إلا أنه مستعد للانطلاق والإشعاع، وإضاءة الطريق من جديد، حتى وإن تأخر قطار الوقت كثير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: