رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يقنبل الوزير الأول

في مداخلته بالمجلس الشعبي الوطني، قدم السيد محسن بلعباس رئيس التجمع الوطني الديمقراطي مداخلة نارية ضد الحكومة الحالية وخاصة موجهة الى الوزير الأول للحكومة الحالية السيد أحمد اويحي، واليكم نص المداخلة كاملة..

سيّدي الرئيس
السيّد الوزير الأول
سيّداتي سادتي النوّاب
سيدّاتي سادتي أعضاء الحكومة
قبل بضعة أشهر، لفتنا انتباه الرأي العام إلى الأزمة المتعددة الأوجه التي تمر بها البلاد على مختلف الأصعدة، لاسيما على الصعيدين الاقتصادي والمالي. وما زلت أسمع أصداء اتهاماتكم حول المساس باستقرار الأمة، واتهاماتكم لنا بتسويد الوضع.
اليوم، أنتم بأنفسكم من تصوّرون من خلال خطة عملكم وتصريحاتكم وضعا أكثر تهويلا ممّا كان يتراءى لنا، وأكثر سوادا مما كنا نتخيّل، وأزمة أكثر حدة ممّا كنا نتصوّر. تدّعون، أنتم ابن النظام كما يحلو لكم أن تعرّفوا نفسكم، الاطلاع على حقيقة الأرقام التي تتفننون دائما في التلاعب بها لإخفاء الاتجاهات العامة لتطور الاقتصاد الوطني على الرأي العام. وهو تعتيم حيّر جميع المحللين والخبراء الاقتصاديين.
إن قصدي ليس لومكم على هذا التأخر في إعلان التوبة والاعتراف بالحقيقة، ولا عرقكم البارد أمام خطورة الأزمة. نعم، أنا أعرف أنكم أنتم أيضا تتصببون عرقا باردا في هذه اللحظات، لأنكم تعرفون أكثر منّا جميعا، ما سيكلفه كل ذلك. أنتم الذين ألفتم السلطة ومزاياها.
لن أتطرق إلى الأزمة السياسية لأننّي أعرف أنكم لن تستطيعوا اتخاذ أي قرارات بحكم الوظيفة التي تشغلونها والتي فقدت من وزنها، منذ التعديل الدستوري لعام 2008 الذي عرضتموه أنتم بنفسكم على غرفتي البرلمان المجتمعتين.
لم تكن خطورة الأزمة كافية لإقناعكم بالحاجة الملّحة للشروع في إعادة بناء هيكلية على جميع المستويات وفي العديد من الميادين. فعند تحليل ودراسة محتوى خطة عملكم، التي تقرّون فيها سطحيا بتعقّد الأزمة، يتبيّن لنا أنكم تتجاهلون التدهور العام الذي ينطلي على أوضاع البلد. فلم ينجُ مجال واحد من تردي هذه الأوضاع. الحريات الفردية والجماعية منتهكة، والنشاطات الجمعوية مقموعة، والصحافة المستقلة على حافة الهاوية، وعالم الشغل مسكون بهاجس تزايد البطالة، والارتفاع المستمر للأسعار، وندرة المواد الاستهلاكية التي عادت إلى الظهور وبدأت تذكّرنا بأياّم أسواق الفلاح والأروقة الوطنية سيئة الذكر عشية أكتوبر 88، والمؤسسات التي تعلن إفلاسها، إمّا لعدم احترام التزاماتكم في الصفقات العمومية أو بسبب رخصكم للاستيراد التي هي مصدر كل أشكال المحسوبية والرشاوي، بالإضافة إلى تحدي لم يسبق له مثيل إزاء سلطة الدولة…
والأسوأ من ذلك كلّه، إن خطة عملكم لم تأت بأي حل جاد كفيل بإعادة النظر في نظامكم الريعي والبيروقراطي الذي تسبب في إفلاس الدولة ويعطّل إنشاء مؤسسات جديدة ويعيق نشاط تلك التي لا تزال صامدة.
رغم حالة الانسداد التي أوصلت حكومتكم الجزائر إليها، لا تزالون مصرّين على عدم الفهم بأنّه لم يعد باستطاعتكم ضمان ديمومة النظام على حساب الأمة.
منذ عام 2014، وجدتم في تراجع أسعار المحروقات الشماعة التي علقتم عليها الإفلاس الاقتصادي الحالي. وحاولتم اختزال هول الأزمة الهيكلية والمتعددة الأبعاد في مجرد أزمة مالية ظرفية وعابرة.
تعتقدون أن اللجوء إلى طباعة الأموال سيسمح لحكومتكم بتسوية ديون الدولة، والاستمرار في تسيير الاقتصاد الوطني بواسطة الطلب العمومي بما يضمن الاستمرار في إثراء زبانيتكم وتفقير كل مواطن ينشد الحرية.
للأسف، فإن هذه الحرية الغالية التي يتمتع بها مواطنو اليابان والولايات المتحدة وغيرها من دول أوروبا والبلدان التي تستشهدون بها، ليس لها مكانة في خطة عملكم ولا حتى في مُخيّلتكم.
إن طباعة أموالكم التي لا تقارن بطباعة البلدان المتقدمة التي تحترم استقلالية بنكها المركزي، ستحوّل بنك الجزائر إلى بنك مزوّر. وهنا سنجد أنفسنا في وضعية قانونية تمييّزية، بحيث لن يُجرّم سوى صنّاع الأموال المزوّرة ولن يُجرّم بنك الجزائر.
كما جرت العادة، تتبرؤون من مسؤولية الوضع التي هي أولا وقبل كل شيء مسؤولية الحكومة، التي كانت لمدة 18 سنة عاجزة على تكوين رؤية واضحة وعلى استقراء بالأحداث لوضع استراتيجية مناسبة وناجعة في مجال التنمية.
مرة أخرى، تغرق الحكومة في متاهات لا مخرج منها. فبدلا من تهيئة الظروف لديناميكية التنمية، تتعنتون في إغراق البلاد مجددا في اقتصاد الريع والفساد. من خلال لجوئكم إلى ما تدعّون تسميته بالتمويل غير التقليدي، تمهّدون الطريق لزيادة طردية للمستوى العام للأسعار، وهذا في حالة ما إذا كانت المواد الاستهلاكية متوفرة. ركزتم اهتمامكم على نقص السيولة. لكنكم غضضتم الطرف على الانعكاسات المترتبة عن طباعة الأموال على الإنتاج الوطني. في مداخلتكم التي أعدّت حقيقة للمغفلين، تغاضيتم عن تعريف النقد على كونه، قبل كل شيء، أداة للتبادل. لأن سكّه وتداوله يجب أن يتوافقا مع القدرة الإنتاجية الوطنية. صرّحتم بأن التمويل غير التقليدي سوف لن يُستخدم لتمويل الاستهلاك. نتساءل إذن في ماذا ستوظف الإيرادات التي تنوون توزيعها باللجوء إلى الطباعة؟
إن اختياركم سيودي بالجزائر إلى وضع كارثي، ستكون فيه المنتجات الضرورية لتلبية الاحتياجات الأساسية غير متوفرة لأن المؤسسات القليلة التي تخلق الثروة ستغرق بدورها في العملة المزيّفة، وستتضرر بسبب استمرار التضخم بثلاثة (3) أرقام، وهذا بالتأكيد ليس خيالا.
إن نوّاب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، مثلما تبيّن لكم بعد هذا التعقيب، سيصوّتون ضد خطة عمل الحكومة التي نجحت في تفقير الدولة والشعب بعد بحبوحة مالية لم يسبق لها مثيل في تاريخنا، وتمهّد السبيل للإفلاس العام للبلد. فبعدما استنزفتم الخزينة منذ سنوات طويلة، أنتم اليوم، بخطة عملكم، تهددون أكثر مستقبل الأجيال القادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: